في مشهد كان إلى وقت قريب من النوادر، بات من الممكن أن يشاهد المارّ أكياس الشعير مكدسة في الحقول تنتظر من ينقلها أو يشحنها، بعدما أصبحت اليد العاملة الفلاحية عملة نادرة في عدد من المناطق القروية. مشهد يثير الكثير من التساؤلات حول التحولات العميقة التي يشهدها قطاع الفلاحة، وحول الأسباب التي دفعت آلاف العمال إلى العزوف عن هذا المجال الذي شكل لعقود طويلة مصدر رزق رئيسياً لساكنة البوادي.
ويؤكد عدد من الفلاحين أن العثور على عمال موسميين خلال فترات الحصاد والجني أصبح مهمة شاقة، رغم الحاجة الملحة إلى الأيدي العاملة لإنجاز الأشغال الفلاحية في الوقت المناسب. هذا الخصاص ينعكس بشكل مباشر على مردودية الضيعات ويؤدي أحياناً إلى تأخير عمليات الجمع والنقل، بما يترتب عن ذلك من خسائر مادية وإكراهات تنظيمية.
ويرى متابعون أن الظاهرة ترتبط بمجموعة من العوامل المتداخلة، من بينها التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي عرفها المجتمع القروي، وتوجه أعداد متزايدة من الشباب نحو قطاعات أخرى توفر دخلاً أكثر استقراراً وظروف عمل أقل مشقة. كما ساهمت الهجرة نحو المدن في تقليص حجم اليد العاملة المتاحة بالقرى، إلى جانب تغير نظرة الأجيال الجديدة إلى المهن الفلاحية التي تتطلب جهداً بدنياً كبيراً.
وفي المقابل، يعتبر مهنيون أن تحسين ظروف العمل والأجور داخل القطاع الفلاحي أصبح ضرورة ملحة لاستعادة جاذبية هذه المهن وضمان استمرارية النشاط الفلاحي في ظروف طبيعية، خاصة في ظل التحديات التي تواجه الفلاحين من ارتفاع تكاليف الإنتاج وتقلبات المناخ.
إن بقاء أكياس الشعير في الحقول طوال الليل بسبب غياب من يتولى نقلها ليس مجرد حادث عابر، بل مؤشر واضح على أزمة حقيقية تتطلب حلولاً عملية ومستدامة. فالفلاحة، التي تعد ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني والأمن الغذائي، تحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى رؤية جديدة تضمن التوازن بين متطلبات الإنتاج وحقوق العاملين وظروف اشتغالهم.



















