كلاش بريس / القسم الفني
يستعيد إدريس اشويكة، في شهادة عن الراحل المبدع مصطفى الدرقاوي، محطات من علاقته بأحد أبرز الأسماء في تاريخ السينما المغربية، مستحضراً مواقف ولقاءات تكشف جانباً من شخصية فنان ظل وفياً للسينما وللثقافة السينمائية إلى آخر مساره.
ومن بين أنبل ما يذكره اشويكة عن الدرقاوي أنه كان أول منتج ومخرج سينمائي مغربي أهدى حقوق العرض الثقافي لمجموع أفلامه للجامعة الوطنية للأندية السينمائية بالمغرب. ويتذكر أنه التقى الدرقاوي، بتفويض من المكتب الوطني للجامعة وبصفته مسؤولاً عن العلاقات الخارجية، لإبلاغه باقتراح تمكين الأندية السينمائية من حقوق عرض فيلمه «عنوان مؤقت» (1984)، مقابل مبلغ رمزي قدره ألفا درهم، وهو ما كانت تسمح به الإمكانيات المحدودة للجامعة آنذاك.
لكن جواب الدرقاوي كان حاسماً وعفوياً: «شوف أمولاي إدريس، أنا أفلامي كلها عاطيها للأندية السينمائية بدون أي مقابل مادي، لا رمزي ولا غيره، ومن اليوم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها».
وكان ذلك الموقف، بالنسبة إلى اشويكة، أكثر من مجرد تنازل عن حقوق العرض، إذ يعكس علاقة الدرقاوي العميقة بالسينما وبالأندية السينمائية وبالجمهور الذي كان يعتبره جزءاً أساسياً من مشروعه.
وفي لقاء ثانٍ، كانت الفرصة أكبر للتعرف على الدرقاوي الإنسان والفنان والمثقف. فقد تكلف إدريس اشويكة، إلى جانب محمد قاوتي، بإعداد ملف خاص حول مصطفى الدرقاوي وعلاقته بالسينما، لنشره ضمن العدد الثاني من مجلة «دراسات سينمائية» التي كانت تصدرها الجامعة الوطنية للأندية السينمائية بالمغرب، وذلك بمناسبة خروج فيلم «عنوان مؤقت».
وخلال سلسلة من اللقاءات والحوارات، يقول اشويكة إنه اكتشف وراء «الهرم الكبير» الذي كان يعتبره قدوته ومثله الأعلى، إنساناً متواضعاً ومسكوناً بالسينما إلى حد الهوس، يلازمه القلق والخوف كلما أقبل على إنجاز فيلم، منذ اختيار الفكرة إلى آخر لمسة في المونتاج.
كما اكتشف، حسب شهادته، أن الدرقاوي كان من السينمائيين المغاربة القلائل الذين طرحوا على أنفسهم السؤال الوجودي والفلسفي للسينما، وأنه لم يكن يتعامل معها باعتبارها مجرد صناعة أو وسيلة للتعبير، بل باعتبارها سؤالاً مفتوحاً ظل يطارده بحدة وقناعة وصدق.
ويستحضر اشويكة أيضاً واحدة من أكثر المحطات إيلاماً في مسار الدرقاوي، عقب النجاح الجماهيري الكبير الذي حققه فيلم «الدار البيضاء باي نايت». فقد قرر المخرج إنجاز جزء ثانٍ بعنوان «الدار البيضاء داي لايت» بتمويل خاص، دون انتظار دعم المركز السينمائي المغربي، فوضع مداخيل الفيلم الأول في المشروع، واقترض من البنك ومن أفراد عائلته وأصدقائه، قبل أن ينجز الفيلم.
غير أن تقديم «الدار البيضاء داي لايت» إلى لجنة الدعم بعد الإنتاج انتهى برفض دعم الفيلم، وهو القرار الذي اعتبره اشويكة جائراً في حق الدرقاوي، وأصابه بخيبة أمل كبيرة.
ويقول إن تلك الخيبة لازمته لأسابيع، قبل أن يصاب الدرقاوي بالجلطة الدماغية التي أقعدته، وظل يعاني تبعاتها إلى أن وافته المنية.
ويختصر إدريس اشويكة مسار الدرقاوي بالقول إن الرجل «فنان مبدع أعطى الكثير للسينما والثقافة السينمائية في بلدنا ولم ينل إلا القليل»، معتبراً أن هذه الحقيقة تظل مدعاة للأسف، خصوصاً أمام ما قدمه الراحل من أفلام ومواقف وإسهامات جعلته واحداً من الأسماء التي يصعب تجاوزها عند الحديث عن تاريخ السينما المغربية.













