السيلياك في المغرب… مرض مزمن بين الاعتراف الرسمي والإهمال الواقعي

منذ ساعتين

كلاش بريس/زهير خية

في الوقت الذي تتجه فيه المنظومات الصحية عبر العالم إلى توفير الرعاية والدعم لمرضى الأمراض المزمنة، لا يزال مرضى السيلياك (داء الزلاقي) في المغرب يعيشون معاناة يومية صامتة، تتجاوز آلام المرض إلى صعوبات العلاج، وارتفاع تكاليف الغذاء، وضعف التشخيص، وغياب التوعية، وكأنهم يخوضون معركة لا يراها أحد.

السيلياك ليس حساسية عابرة، ولا مجرد اضطراب هضمي بسيط، بل هو مرض مناعي مزمن يجعل الجسم يهاجم الأمعاء الدقيقة عند تناول مادة الغلوتين الموجودة في القمح والشعير ومشتقاتهما. والنتيجة قد تكون سوء امتصاص حاد، ونقصًا في الفيتامينات والمعادن، وفقر دم مزمن، وتأخرًا في النمو لدى الأطفال، ومضاعفات صحية قد تصبح خطيرة إذا لم يُشخَّص المرض ويُعالج بالشكل الصحيح.

ورغم تصنيفه ضمن الأمراض المزمنة، فإن الواقع يكشف أن المريض يظل وحيدًا في مواجهة هذا الداء. فعدد الأطباء المتخصصين في تشخيص ومتابعة مرض السيلياك يبقى محدودًا، خاصة خارج المدن الكبرى، ما يجعل كثيرًا من المرضى ينتقلون من طبيب إلى آخر لسنوات قبل الوصول إلى التشخيص الصحيح، بينما تتفاقم حالتهم الصحية بصمت.

ولا تقف المعاناة عند حدود التشخيص، بل تمتد إلى غياب حملات التوعية والتعريف بالمرض. فلا تزال فئات واسعة من المجتمع تجهل طبيعة السيلياك، بل إن بعض المرضى يتعرضون لسوء الفهم، وكأنهم يبالغون في الحديث عن الطعام أو يتبعون “حمية اختيارية”، بينما الحقيقة أن تناول كمية صغيرة من الغلوتين قد يسبب لهم أضرارًا صحية حقيقية.

أما السوق المغربية، فهي بدورها لا ترحم. فالمنتجات الخالية من الغلوتين قليلة، وإن وُجدت فهي غالبًا مستوردة وبأسعار مرتفعة، تجعل النظام الغذائي الذي يفرضه المرض عبئًا ماليًا ثقيلًا على الأسر. ويجد المرضى أنفسهم أمام معادلة قاسية: إما شراء مواد غذائية باهظة الثمن، أو المجازفة بصحتهم عبر استهلاك أغذية غير مناسبة.

كما يشتكي المرضى من محدودية البدائل الغذائية والدوائية الخالية من الغلوتين، سواء في الصيدليات أو الأسواق، إضافة إلى غياب دعم حكومي يخفف من كلفة العلاج والغذاء، رغم أن الامتناع التام عن الغلوتين ليس رفاهية، بل هو العلاج الأساسي والوحيد لهذا المرض.

إن مرضى السيلياك لا يطالبون بالمستحيل، بل بحقوق أساسية: تشخيص مبكر، وأطباء متخصصون، وتوعية مجتمعية، ومراقبة واضحة للمنتجات الغذائية، وتشجيع تصنيع الأغذية الخالية من الغلوتين محليًا، مع التفكير في آليات للدعم الاجتماعي والصحي تخفف العبء عن الأسر.

فالسياسة الصحية لا تُقاس فقط بعدد المستشفيات أو الأجهزة الطبية، بل أيضًا بقدرتها على احتضان الفئات التي تعاني في صمت. ومرضى السيلياك من بين هؤلاء الذين ينتظرون أن يتحول الاعتراف بمرضهم من مجرد تصنيف إداري إلى إجراءات عملية تحفظ لهم حقهم في العلاج والحياة الكريمة.

ويبقى السؤال مطروحًا: متى يصبح داء السيلياك قضية صحية تحظى بالاهتمام الذي تستحقه، بدل أن يظل مرضًا مجهولًا لدى الكثيرين، ومعاناة يومية يتحملها المرضى وحدهم؟

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.