إسبانيا هزمت فرنسا… والإعلام الفرنسي هزم ثقافة الأعذار

15 يوليو 2026
إسبانيا هزمت فرنسا… والإعلام الفرنسي هزم ثقافة الأعذار

فتح الله حافظي

ما إن أطلق الحكم صافرة النهاية، حتى فعلت ما يفعله كل عاشق لكرة القدم بعد مباراة كبيرة: لم أعد إلى الأهداف ولا إلى اللقطات المثيرة، بل ذهبت مباشرة إلى بعض مواقع الصحف الفرنسية.

كنت أريد أن أعرف كيف استقبل الفرنسيون إقصاء منتخبهم. هل سيتحدثون عن مؤامرة؟ هل سيحملون الحكم مسؤولية الخسارة؟ هل ستتحول تقنية الفيديو إلى شماعة جديدة؟ وهل سيخرج من يتهم هذا اللاعب بالتخاذل، وذاك ببيع المباراة، وثالثا بخيانة القميص الوطني؟
لكنني لم أجد شيئا من ذلك…وجدت إعلاما حزينا …لكنه يحترم عقول جمهوره.

فجريدة ليكيب، الجريدة الرياضية الأولى في فرنسا، والتي لا تعرف المجاملة حتى عندما يتعلق الأمر بمنتخب بلادها، لم تبحث عن أعذار تريح الجماهير، ولم تصنع رواية بديلة للهزيمة. كتبت بوضوح أن إسبانيا كانت الأفضل، وأن المنتخب الفرنسي تعرض لتفوق مستحق. المدرب ديدييه ديشان، فلم يفتش عن شماعة يعلق عليها الإقصاء، بل اعترف بأن المنتخب الإسباني أحكم سيطرته على المباراة. واللاعبون بدورهم تحدثوا عن أخطائهم أكثر مما تحدثوا عن أي عامل خارجي

توقفت عند هذا المشهد طويلا

ليس لأن فرنسا خرجت من كأس العالم، فكل المنتخبات الكبيرة تخسر، ولكن لأنني رأيت كيف يمكن للهزيمة أن تتحول إلى درس في احترام الحقيقة.

لم يتحدث الفرنسيون عن لاعب باع المباراة، ولم يروجوا لفكرة أن أحدا تهاون أو خان القميص، ولم يحولوا ابتسامة عابرة بعد صافرة النهاية إلى دليل إدانة، أو لقطة مقتطعة من سياقها إلى حكم نهائي على وطنية لاعب. لم تتحول الهزيمة إلى محكمة شعبية، ولم تُوزع صكوك الوطنية بحسب تعابير الوجوه أو لحظة انفعال عابرة.

كان السؤال مختلفا تماما: لماذا كانت إسبانيا أفضل؟ وهذا هو السؤال الذي يصنع المستقبل.

فالاعتراف بتفوق المنافس ليس انتقاصا من الذات، بل هو أول خطوة نحو تصحيح الأخطاء. أما الهروب إلى نظريات المؤامرة، أو اختراع خونة من داخل الفريق، فلا ينتج سوى مزيد من الإخفاق، لأنه يريح العقول من عناء المراجعة.
وللأسف، ما زال جزء من إعلامنا العربي يقع في هذا الفخ. فما إن يخسر منتخب أو فريق، حتى يبدأ سباق البحث عن الشماعات. الحكم متهم، وتقنية الفيديو متهمة، والاتحاد الدولي متهم، وهناك من لا يتردد في تخوين اللاعبين أو التشكيك في ذممهم، بل وتحويل ابتسامة أو مصافحة أو لقطة عابرة إلى قضية رأي عام، وكأن الوطنية أصبحت تُقاس بصورة مجتزأة أو بتعبير وجه التقطته عدسة كاميرا.

إسبانيا لم تصل إلى النهائي بالصدفة، ولم تحتج إلى رواية تبرر تفوقها. لعبت كرة قدم جميلة وفعالة، فرضت شخصيتها، واستحقت الفوز. وهذا ما قاله الفرنسيون قبل أن يقوله غيرهم
.
خرجت فرنسا من البطولة، لكنها احتفظت بشيء لا يقل أهمية عن الفوز: احترام الحقيقة. وربما لهذا السبب تنهض الأمم الرياضية بسرعة بعد كل سقوط، لأنها تملك شجاعة النظر في المرآة قبل أن تشير بأصابع الاتهام إلى الآخرين.

في النهاية، لم يكن الدرس الأكبر هدفين سجلتهما إسبانيا، بل الطريقة التي تعامل بها الفرنسيون مع الهزيمة. لقد خسروا مباراة، لكنهم لم يخسروا عقولهم. ولم يبيعوا لجمهورهم وهما مريحا، بل قدموا له حقيقة قد تكون مؤلمة، لكنها وحدها القادرة على صناعة انتصار جديد.

فالمنتخبات الكبيرة لا تكبر لأنها لا تخسر… بل لأنها تعرف كيف تعترف بأنها خُسرت.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.