في سياق تتواصل فيه الأسئلة حول تدبير المال العام ومسارات الحكامة داخل عدد من المؤسسات العمومية وشبه العمومية، تتوخى هذه السلسلة إلى فتح ذاكرة بعض الملفات القديمة التي طبعتها نقاشات واسعة في وقتها، وظلت تطرح أكثر من علامة استفهام حول آليات التدبير والمساءلة.
لا يتعلق الأمر بإعادة فتح قضايا راهنة، بقدر ما هو استحضار توثيقي وتحليلي لمسارات سابقة، بهدف تذكير الرأي العام ببعض الإشكالات التي ارتبطت بتدبير المال العام، واستجلاء الدروس الممكنة منها في إطار النقاش العمومي حول الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
هذه السلسلة تنطلق من مقاربة استقصائية هادئة، تعتمد على إعادة قراءة المعطيات المتوفرة، ومحاولة فهم السياقات التي أحاطت بهذه الملفات في حينها، بعيداً عن أي تأويلات جاهزة أو إطلاق أحكام قطعية
الشركة المغربية للملاحة البحرية “كوماناف
عاشت الشركة المغربية للملاحة البحرية “كوماناف” سنوات طويلة من الاضطرابات والأزمات المتلاحقة، جعلتها تتحول من رمز للنقل البحري الوطني إلى عنوان بارز للاختلالات المالية والتدبيرية، في واحدة من أكثر القضايا التي أثارت الجدل داخل قطاع الملاحة البحرية بالمغرب.
ومنذ نهاية تسعينات القرن الماضي، دخلت “كوماناف” في نفق من المشاكل الحادة التي لم تنقطع، حيث خضعت سنة 2000 لعملية تفتيش أنجزتها المفتشية العامة لوزارة المالية، قبل أن تكون سنة 2005 موضوع افتحاص شامل من طرف المجلس الأعلى للحسابات، خلال فترة تولي توفيق الإبراهيمي إدارة الشركة ما بين 2001 و2010.
وكشفت عمليات الافتحاص حينها عن خروقات مالية وتدبيرية وصفت بالخطيرة، همّت مبالغ تجاوزت 400 مليون درهم، ما فتح الباب أمام تساؤلات واسعة حول طرق تدبير الشركة ومصير أموالها، خاصة وأن “كوماناف” كانت تمثل إحدى أهم شركات النقل البحري بالمملكة.
وتفول مصادر صحفية حينها ؛ انه رغم حجم هذه الاختلالات، فإن اعتقال توفيق الإبراهيمي في 17 يونيو لم يرتبط مباشرة بملف الخروقات المالية، بل جاء على خلفية تهم ثقيلة تتعلق بتكوين عصابة إجرامية، وإتلاف بنيات تحتية، والمس بأمن الدولة، وتسريب معلومات مهنية لجهات أجنبية، إضافة إلى عرقلة حرية العمل.
وتزامنت هذه التطورات مع معطيات متداولة تفيد بأن شركة “كوماريت – كوماناف” تعرضت لما وصفه متابعون بـ”الإفلاس المفتعل”، في إطار مخطط يرمي إلى الاستحواذ عليها بأثمان زهيدة، حتى وإن استدعى الأمر، بحسب المصادر ذاتها، التواطؤ مع جهات أجنبية، من بينها أطراف إسبانية.
كما تحدثت تقارير إعلامية عن وجود خطة ممنهجة استهدفت إضعاف الشركة، عبر الدفع نحو احتجاجات وإضرابات عمالية داخل الموانئ، بهدف شل حركة النقل البحري وعرقلة أي محاولات رسمية لإنقاذ المؤسسة، تمهيدا لإعلان إفلاسها النهائي.
وفي سياق التحضير لمرحلة ما بعد انهيار الشركة، أقدم توفيق الإبراهيمي، وفق المعطيات المتداولة، على تأسيس شركة بحرية جديدة رفقة شقيقه سعد الإبراهيمي تحت اسم “موروكو فيريز”، وجرى تقديمها حينها باعتبارها “مشروعا لإنقاذ النقل البحري”، عبر مخطط مالي يقوم على ضخ 30 مليون درهم في رأسمال الشركة، إلى جانب الحصول على قروض بنكية بقيمة 20 مليون درهم.
وتحمل “كوماناف” بدورها مسارا استثنائيا ومعقدا، إذ تأسست سنة 1949 خلال فترة الحماية الفرنسية، قبل أن تتحول سنة 1959، بعد استقلال المغرب، إلى الشركة المغربية للملاحة البحرية. غير أن مسلسل التفويتات المتتالية غيّر معالمها بشكل كبير، بعدما تم تفويتها سنة 2007 إلى الشركة الفرنسية “CMA-CGM”، المتخصصة في النقل البحري وإدارة الموانئ، والتي عادت لتبيع حصتها لاحقا إلى الشركة الإسبانية “بالياريا”.



















