كتبه / سعيد عليد.
في الوقت الذي تقدم فيه الرباط كـ”عاصمة عالمية للكتاب”، احتفاء بالمعرض الدولي للنشر والكتاب، تتصاعد مفارقة حادة بين الخطاب الرسمي والواقع الثقافي. فهل نحن فعلا أمام عاصمة للكتاب، أم أمام واجهة تخفي أزمة عميقة يعيشها من يفترض أنهم في صلب هذا الاحتفاء: الكتاب أنفسهم؟
إن الترويج لهذا اللقب يوحي بوجود بيئة ثقافية مزدهرة، تنصف الكاتب وتضمن له حقوقه. غير أن الواقع يكشف عن اختلالات بنيوية تمس جوهر الحقل الثقافي، وعلى رأسها إقصاء فئات واسعة من المؤلفين، خصوصا الكتاب الأدباء والعلماء…، والصحفيين، والناشرين، من منظومة الاستفادة من عائدات استغلال أعمالهم.
ففي الممارسة، يلاحظ حصر مفهوم “المؤلف” في مجالات محددة، يغلب عليها الطابع الفني السمعي البصري—كالأغنية والسينما—في حين يتم تهميش الإنتاجات الفكرية المكتوبة، وكأنها خارج دائرة الاستحقاق. هذا التوجه لا يعكس فقط خللا في التقدير، بل يفرغ مفهوم التأليف من شموليته، ويقصي فاعلين أساسيين في بناء الوعي والمعرفة، وفي بناء المغرب المتقدم.
الأخطر من ذلك، أن هذا الإقصاء لا يقتصر على غياب الاعتراف، بل يمتد إلى حرمان فعلي من أي مدخول مالي ناتج عن استغلال المصنفات المكتوبة. وهو ما يطرح إشكالا حقيقيا حول الكرامة المهنية للكاتب، الذي يجد نفسه أمام معادلة غير عادلة: إنتاج فكري مستمر، دون مقابل يضمن الحد الأدنى من العيش الكريم.
ويزداد هذا الوضع تعقيدا في ظل غياب الشفافية في تدبير الحقوق، وضعف التواصل مع المعنيين، ما يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول طرق التحصيل والتوزيع، وحول مدى استفادة أصحاب الحقوق الحقيقيين من عائدات أعمالهم.
أمام هذه المعطيات، لا يمكن فصل المسؤولية بين المؤسسة المعنية بتدبير حقوق المؤلف والوزارة الوصية. فالمسؤولية هنا مزدوجة: إدارية وقانونية من جهة، وأخلاقية من جهة أخرى. إذ لا يمكن الاستمرار في تسويق صورة ثقافية مشرقة، بينما يعيش الكاتب على هامش هذه الصورة.
إن الاحتفاء بالكتاب لا ينبغي أن يكون حدثا مناسباتيا، بل سياسة عمومية متكاملة، تنطلق من الاعتراف الحقيقي بالمؤلف—بكل أصنافه—وتنتهي بضمان حقوقه المادية والمعنوية. دون ذلك، سيبقى اللقب مجرد شعار، وستظل الرباط، في نظر كثير من مبدعيها، أقرب إلى عاصمة للإحباط والاكتئاب منها إلى عاصمة للكتاب.
الرهان اليوم واضح: إما إصلاح حقيقي يعيد التوازن والإنصاف، أو استمرار في إنتاج خطاب ثقافي منفصل عن الواقع. وفي هذا الاختيار، تتحدد مصداقية المشروع الثقافي برمته..


















