هناك من يبني أمجاده على العمل، وهناك من يبنيها على التصريحات. وهناك من يعتقد أن الميكروفون طريق مختصر إلى المنصات، قبل أن يكتشف أن كرة القدم لا تعترف إلا بما يُكتب داخل المستطيل الأخضر.
قبل انطلاق كأس العالم، لم يترك باب غاي مناسبة إلا ووزع فيها الوعود، ورسم للسنغال طريقًا مفروشًا نحو النهائي، بل لم يكن يخفي طموحه في تجاوز الإنجاز التاريخي الذي حققه المنتخب المغربي في مونديال 2022، وكأن الزعامة الإفريقية تُنتزع بالكلمات لا بالإنجازات.
لكن كرة القدم لا تعترف بالأمنيات.
بدأ المنتخب السنغالي مشواره بهزيمتين متتاليتين، وكان قاب قوسين أو أدنى من مغادرة البطولة من بابها الضيق، لولا أن ضعف المنتخب العراقي منحه قبلة الحياة، فعبر إلى الدور الموالي بـ”الرشتاج”، لا بقوة الأداء، بل لأن الحظ أهداه فرصة جديدة.
وأمام بلجيكا، بدا القدر وكأنه يمد له يد النجاة مرة أخرى. لم يكن يفصل السنغال عن التأهل سوى أربع دقائق فقط. أربع دقائق كانت كافية لكتابة إنجاز جديد… لكنها كانت أيضًا كافية لكتابة واحدة من أغرب قصص الإقصاء في تاريخ المونديال.
فالمدرب ثياو نجح فيما عجز عنه منافسه. بقرارات تكتيكية مرتبكة، وتغييرات غير مفهومة، وقراءة كارثية للدقائق الأخيرة، أهدر تأهلًا كان بين يديه، في سيناريو يصلح أن يكون مادة تُدرَّس في معاهد التدريب تحت عنوان: كيف تخسر مباراة كانت محسومة.
ثم جاءت ركلة الجزاء، فعاد شريط الذاكرة.
المشهد بدا مألوفًا. احتجاجات، ورفض للقرار، ومحاولة للتأثير على الحكم. إنها الصورة نفسها التي عاشها الجميع خلال نهائيات كأس إفريقيا التي احتضنها المغرب، حين رفض المنتخب السنغالي تقبل ركلة جزاء في الدقائق الأخيرة، ولوّح بالانسحاب، واضعًا المنظمين أمام ضغط هائل، إلى درجة أن المسؤولين ولاعبي المنتخب المغربي اضطروا إلى التدخل لإقناعهم بالعودة إلى أرضية الملعب حفاظًا على استمرار البطولة.
يومها نجحوا في استغلال حساسية الظرف، وحرص المنظمين على إنقاذ المنافسة.
أما في كأس العالم، فقد اختفى ذلك “الاستعراض” تمامًا.
لم يعد هناك تهديد بالانسحاب، ولا محاولة لليّ ذراع المنظمين، لأن المونديال ليس بطولة تُدار بمنطق الابتزاز. هناك مؤسسة أقوى من الجميع، ولوائح تُطبق على الجميع، وعقوبات لا يجرؤ أحد على اختبارها. وفجأة، أصبح احترام القانون أمرًا لا يقبل النقاش.
وهكذا، جاءت الفاتورة… ومعها الفوائد المتراكمة.
ثياو يبدو اليوم أقرب إلى باب الخروج من أي وقت مضى. وما بدأه اللاعبون، وعلى رأسهم باب غاي، من تحميله مسؤولية الإقصاء، ستستكمله الصحافة والجماهير والجامعة، ليغادر منصبه بعدما سقط المشروع الذي وعد بالكثير ولم يحقق سوى الخيبة.
ولعل في ذلك شيئًا من عدالة كرة القدم.
فالمدرب الذي شاهده الجميع في نهائي كأس إفريقيا وهو يفقد أعصابه، ويحوّل نهاية البطولة إلى مشهد من الفوضى والعربدة، غير عابئ بقيمة الحدث، ولا باحترام البلد المنظم، ولا بمكانة الضيوف، وجد نفسه هذه المرة أمام بطولة لا تنصت للصراخ، ولا تخضع للضغوط، ولا تغيّر قراراتها تحت وطأة الانفعال.
لقد لقّن المونديال درسًا قاسيًا لكل من يعتقد أن الضجيج يصنع الإنجازات، وأن التصريحات تعوض العمل، وأن الضغط يمكن أن ينتصر على القانون.
فالبطولات الكبرى لا تُحسم خارج الملعب، ولا تُدار بمنطق ليّ الذراع، بل تُكسب بالعقل، والانضباط، واحترام قوانين اللعبة.
وذلك هو الدرس الذي تأخر وصوله إلى السنغال… حتى دفعته كاملًا، مع الفوائد.
هذه الصيغة هي الأكثر احترافية في الأعمدة الصحفية، حيث يظهر اسم الكاتب مباشرة بعد العنوان قبل بداية المتن.



















