كرين بارك بسطات : الإخبار المستعجل والتنفيذ المؤجل. ..حين حضر الجميع وغاب التنفيذ

منذ 4 ساعات
كرين بارك بسطات : الإخبار المستعجل والتنفيذ المؤجل. ..حين حضر الجميع وغاب التنفيذ

فتح الله حافظي

في دولة القانون، لا تُقاس إنجازات المؤسسات بما تصدره من بلاغات أو إخبارات، بل بما تنجزه على أرض الواقع. وما جرى في ملف كرين بارك يوم العشرين من يوليوز أعاد التذكير بهذه الحقيقة التي يبدو أن البعض لا يزال يصر على تجاهلها.

منذ الساعات الأولى من الصباح، بدا المشهد وكأنه الفصل الأخير في نزاع طال أمده. حضرت الأجهزة الأمنية بمختلف تشكيلاتها، وباشر عون التنفيذ مهمته، وحضر موظفو الجماعة، وتابعت رئيسة المجلس سير العملية من بعيد (آش جات تعمل…؟)، واصطفت آليات الجماعة في المكان في مشهد استعراضي أوحى بأن عملية التنفيذ لم تعد سوى مسألة دقائق، فيما وثقت الكاميرات كل التفاصيل. أما الإخبار الرسمي، فقد كُتب هو الآخر بلغة الواثق من النتيجة، بلغة من يعلن الإنجاز قبل أن يتحقق، حتى خُيّل للرأي العام أن الملف قد طُوي نهائيًا.
لكن الواقع لا يقرأ البلاغات.
انتهى اليوم بمحضر تنفيذ رفض الطرف المعني التوقيع عليه، وغادر الجميع المكان، بينما بقي المركب على حاله، قبل أن يتم الإعلان عن سلوك مسطرة قضائية جديدة بدعوى الترامي، ووضع شكاية في الموضوع اليوم ، لدى جهة الاختصاص. وكأن المشهد كله كان مجرد مقدمة لفصل آخر، لا خاتمة للقضية.

لقد وثقت تسجيلات متداولة بالصوت والصورة أجواء من التوتر ومحاولات لتعطيل إجراءات التنفيذ، وهي ممارسات لا تخدم هيبة القضاء، لأن الأحكام لا تُنفذ بالصخب، ولابالبلطجة، كما لا تُعطل باستعراض القوة، وإنما تُنفذ بقوة القانون.
غير أن جوهر الإشكال لم يكن في تلك العراقيل، لأنها كانت متوقعة في مثل هذه الملفات، بلغت درجة استعمال الأطفال دروعا بشرية، وإنما فيما يمكن تسميته “خفة القلم”، استلهامًا من أغنية “خفة الرجل”. فكما سبقت الأغنية صاحبها، سبق البلاغ التنفيذ. وركض الإخبار أسرع من الواقع، واصطفت آليات الجماعة قبل أن يتحرك الحكم، وكُتب الانتصار قبل أن تكتمل شروطه. وهكذا تحول التواصل المؤسساتي من نقل الوقائع إلى إخراج مشهد احتفالي سابق لأوانه.

ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، يصبح هذا التسرع أكثر إثارة للتساؤل. فمن حق المواطنين أن يسألوا: هل كان المقصود إخبارهم بما وقع فعلًا، أم صناعة انطباع بأن ما لم يتحقق قد تحقق؟ فالبلاغات قد تصنع عناوين، وقد تمنح مكاسب سياسية عابرة، لكنها لا تصنع الثقة، لأن الثقة لا تُبنى إلا على ما يراه الناس بأعينهم.
كان يكفي أن يُقال إن إجراءات التنفيذ انطلقت، وإن العراقيل ستُواجه عبر المساطر القانونية، دون استعجال إعلان النتيجة، ودون تحويل آليات الجماعة إلى جزء من مشهد يوحي بأن الحسم قد وقع، بينما الواقع كان يقول غير ذلك.
في ذلك اليوم حضر الجميع…

حضرت الأجهزة الأمنية.

وحضر عون التنفيذ.

وحضر موظفو الجماعة.

وحضرت رئيسة المجلس.

وحضرت آليات الجماعة، وكأنها جاءت لتحتفل بالتنفيذ قبل وقوعه.

وحضرت الكاميرات.

وحضر الإخبار المستعجل.

وحضر الضجيج.

لكن التنفيذ… وحده، اختار أن يتأجل.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.