بالقلم الأحمر : نزار بركة… “زلگة ” خبر تكشف استعجال التموقع

5 أكتوبر 2026
بالقلم الأحمر : نزار بركة… “زلگة ” خبر تكشف استعجال التموقع

فتح الله حافظي

يبدو أن «الميزان» اختل هذه المرة، لا في الحسابات الانتخابية، بل في ميزان التحقق والتموقع.
أمام المجلس الوطني لحزب الاستقلال، خرج نزار بركة بخبر جاهز للتصفيق: المجلس الوطني للبام رفض التحاق الأحرار بالحكومة. لم يحتج الخبر إلى بلاغ، ولا إلى تأكيد، ولا حتى إلى قليل من الانتظار. دخل القاعة كأنه قرار رسمي، واستقبله التصفيق كأنه توزيع أولي للحقائب.
ثم انكشف أن الحكومة التي كادت تتشكل في القاعة لم تكن سوى حكومة خبر مستعجل.
عاد بركة ليقول: «عطاني خبر غير دقيق».
يا سلام! في زمن البلاغات الرسمية والهواتف الذكية، ما زال الخبر السياسي يصل أحيانا بصيغة: «قالوا لي»… ثم يعلن أمام مجلس وطني، ويستقبل بالتصفيق، قبل أن يلحق به التصحيح!
لكن الزلگة ليست في الخبر وحده. الأخطر هو الاستعداد السياسي الذي جعل خبرا غير مؤكد قابلا لأن يتحول، في ثوان، إلى مادة للاحتفال.
وهنا تبرز مسؤولية التواصل السياسي. فالأمين العام لحزب لا يتحدث بصفته الشخصية فقط، فكل كلمة تصدر عنه يمكن أن تتحول إلى موقف، وأن تنتشر كمعلومة، وأن تؤثر في النقاش السياسي. لذلك يفترض أن يكون التواصل في هذا المستوى دقيقا، محسوبا، ومبنيا على معطيات موثوقة، لا على ما يتناقله هذا أو ذاك في الكواليس.
لكن الأخطر من «الزلگة» هو ما تكشفه عن طريقة قراءة المشهد السياسي. فمن السذاجة السياسية، أيضا، أن يصدق المرء بسهولة أن المجلس الوطني للبام سيقيد أمينته العامة، ويجردها من أوراق المناورة، ثم يتركها مكشوفة أمام حلفاء ينتظرون لحظة الانقضاض على المواقع الحكومية.
ففي مفاوضات تشكيل الحكومات، لا تُحرق أوراق التفاوض بهذه السهولة، ولا يتخلى الفاعل السياسي عن البدائل قبل أن تنتهي اللعبة. وورقة الأحرار، سواء دخلت الحكومة أو بقيت خارجها، تظل ورقة تفاوض ومناورة يمكن أن تستعملها قيادة البام في اتجاهات متعددة.
لهذا، فإن قراءة قرار حزبي داخلي بمعزل عن ميزان القوة، وعن طبيعة المفاوضات، وعن حاجة كل طرف إلى الاحتفاظ بأوراقه، ليست فقط استعجالا في نقل الخبر، بل تبسيطا للمشهد السياسي نفسه.
كان يمكن لنزار بركة أن يقول: «وصلتني معلومة وسأتحقق منها». وكان يمكن، وهو الأهم، أن يسأل: هل يعقل سياسيا أن يتخلى حزب عن ورقة تفاوضية ثمينة بهذه السهولة؟
هنا بالضبط تصبح «الزلگة» ذات معنى أبعد من خطأ في معلومة. فالتواصل السياسي المسؤول لا يقتضي فقط التأكد من صحة الخبر، بل يقتضي أيضا امتلاك الحد الأدنى من الحس السياسي الذي يسمح بتمييز الخبر القابل للتصديق من الخبر الذي يناقض منطق التفاوض نفسه.
وفي السياسة، لا تكفي معرفة ما يقال في الكواليس، المسؤولية تبدأ من معرفة ما يستحق أن يقال علنا. وبين الأمرين مسافة اسمها: التحقق، وقراءة موازين القوة، وفهم قواعد التفاوض.
أما أن تسبق الإشاعة المعلومة، والمعلومة التحليل، والتحليل التصفيق، ثم يأتي الاعتذار لتصحيح المسار، فهنا لا تعود «الزلگة» مجرد خطأ في خبر، بل تصبح زلگة في قراءة السياسة نفسها.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.