امين عميمي
أصبح وعد الحصول على شهادة للترقي الاجتماعي أقل موثوقية رغم توسع رقعة التعليم وارتفاع تطلعات الأسر، لكن دون أن يتوسع الاقتصاد بالقدر نفسه في الوظائف المتوسطة والعالية التأهيل. هكذا تحدث ظاهرة يمكن تسميتها تضخم الشهادات وتراجع مردودها الاجتماعي. فالشهادة ما زالت مهمة، لكنها لم تعد تضمن الوظيفة أو الاستقلال المادي والاجتماعي. وينتج عن ذلك إحباط شديد لدى المتعلم والاسر على حد سواء، لأن انتظاراتهما أكبر. فالفقر وحده لا يولد دائمًا الاحتجاج أو الهجرة؛ الذي يولدهما بقوة هو التفاوت بين ما يستحقه الفرد من تَعلُّمِه وما يستطيع بلوغه فعليًا.
لذلك قد يكون خريج الجامعة أكثر رغبة في الهجرة من شخص أقل تعليمًا، ليس لأنه الأفقر بالضرورة، بل لأن الفجوة بين مُؤهلاته وموقعه الاجتماعي أكبر؛ وهوما يزيد من اتساع الفارق بين المغرب الناجح والمغرب اليومي؛ هذا الوضع ساعد على تشكل صورتان متجاورتان في المخيال الاجتماعي حول مغرب المشاريع الكبرى، والطرق، والقطارات، والموانئ، والسياحة والاستثمارات الدولية؛ ومغرب الأسرة التي تقلق من عدم قدرتها على توفير ثمن الغذاء، والمسكن، والنقل، والعلاج، وجودة المدرسة وفرص الأبناء في مستقبل مشرق.
المشكلة هنا ليست في وجود المشاريع الكبرى، فهي ضرورية، بل المشكلة أن المواطن لا يرى دائمًا العلاقة المباشرة بينها وبين حياته. وقد يشعر أن الدولة فعالة جدًا عندما يتعلق الأمر بإنجاز مشروع كبير( الملعب الكبير أو أكبر ميناء…)، لكنها أقل فعالية عندما يتعلق الأمر بمدرسة الحي أو المستشفى أو النقل أو حل مشكلة إدارية بسيطة؛ هذه الفجوة تنتج ما يمكن تسميته باللامساواة في تجربة الدولة؛ ذلك أن تجربة الدولة ليست نفسها بالنسبة إلى ساكن مركز حضري ميسور، وشاب في مدينة صغيرة، وامرأة في قرية، وعامل في القطاع غير المهيكل.
ويظهر الامر بوضوح عندما تضعف الثقة في المدرسة، في الصحة وفي النقل العمومي مما يجعل الأسر تضطر إلى شراء البدائل من السوق (التعليم الخصوصي والدروس الخصوصية؛ العلاج والفحوصات في القطاع الخاص؛ النقل الخاص؛ المساعدة المالية للأبناء العاطلين؛ تمويل السكن أو الهجرة).
وهكذا تدفع الأسرة، عمليًا، مرتين؛ مرة عبر الضرائب والمساهمات، ومرة عبر شراء الخدمة التي لا تثق في جودتها في المؤسسات العمومية، وهو ما يضغط بصورة خاصة على الطبقة الوسطى. فهي ليست فقيرة بما يكفي للاستفادة من جميع أشكال الدعم، ولا غنية بما يكفي لشراء الأمان الاجتماعي بسهولة. لذلك قد تتحسن بعض المؤشرات الوطنية، بينما تشعر هذه الفئة بأنها تعمل أكثر للمحافظة على موقعها بدل التقدم والبحث عن تطلعات أفضل. ذلك أن الناس يقبلون قدرًا من الصعوبات عندما يعتقدون أنها مؤقتة، وأن القواعد عادلة، وأن الجهد سيؤدي إلى نتيجة. لكن الإحباط يتعمق عندما ينتشر الاعتقاد بأن النجاح يتوقف على العلاقات أو الأصل الاجتماعي أو المدينة أو القدرة المالية أكثر مما يتوقف على الكفاءة. هنا ندخل مجال العدالة الإجرائية لأن المواطن يسأل فقط كيف وُزعت الفرص، وهل طُبقت القواعد نفسها على الجميع. فتقرير البارومتر العربي الخاص بالمغرب يبين أن الثقة في الحكومة ظلت منخفضة نسبيًا، وأن المُتعثرين ماليًا أقل ثقة بمختلف المؤسسات، كما أن الرضا عن الأداء الاقتصادي والتعليم ضعيف، مع استمرار القلق من الفساد. وعندما تضعف الثقة، يُعاد تفسير حتى الإصلاحات الإيجابية باعتبارها متأخرة أو انتقائية أو غير قابلة للاستمرار. لذلك فالإصلاح يحتاج إلى نتائج مادية، لكنه يحتاج أيضًا إلى مصداقية وعدالة ووضوح لهذا يتم التفكير في الهجرة لاستعادة التحكم في المستقبل؛ فالكثير من الشباب لا يهاجرون لأنهم يكرهون المغرب، بل لأنهم يريدون مسارًا يمكن توقعه بمعني أن الدراسة تؤدي إلى الوظيفة، وظيفة تسمح بالسكن، وقواعد مهنية أكثر وضوحًا.
في المغرب، قد يعيش الشاب سنوات طويلة في حالة انتظار، انتظار أول عمل، ثم عقد مستقر، ثم سكن، ثم الزواج فالاستقلال عن الأسرة. في هذه الحالة الهجرة تبدو وسيلة لاختصار هذا الانتظار، أو على الأقل لنقل المخاطرة إلى بيئة يُعتقد أن الجهد فيها أكثر قابلية للتحويل إلى نتيجة.
فالرشد في المجتمع المغربي، لا يُقاس بالعمر فقط، بل بالقدرة على العمل والاستقلال وتكوين أسرة؛ مع العلم أن البطالة وغلاء السكن وهشاشة الدخل تؤجل هذه المحطات؛ لذلك تتحول الهجرة إلى طقس عبور نحو الرشد الاجتماعي وليس مجرد تغيير للمكان، بل محاولة للانتقال من وضع «الابن المعال» إلى وضع الفرد المستقل والقادر على مساعدة أسرته. فالشباب اليوم لا يقارن نفسه بوالديه فقط، بل بأقرانه في أوروبا وأمريكا والخليج، وبأفراد الجالية، وبالصور التي تعرضها الشبكات الاجتماعية. حتى عندما يتحسن دخله مقارنة بالجيل السابق، قد يشعر بأن وضعه غير مقبول مقارنة بما يراه ممكنًا في الخارج. وهذا هو الحرمان النسبي الذي يُولد الإحباط الذي لا ينتج فقط عن مستوى المعيشة وحده، بل عن المسافة بين الواقع والتطلعات.
في مسح البارومتر العربي لسنتي 2023/2024، عبّر 55% من المغاربة بين 18 و29 سنة عن الرغبة في الهجرة، مقابل 24% لدى الأكبر سنًا، وبلغت النسبة 35% في مجموع السكان، وكانت الدوافع الاقتصادية في المقدمة وهو ما جعل الهجرة تتحول الى ثقافة اجتماعية وشبكة عملية خصوصا مع وجود جالية مغربية واسعة تُخفض تكلفة الهجرة نفسيًا وعمليًا. فالمهاجر المحتمل قد يجد قريبًا يوفر له السكن الأول أو المعلومة أو الاتصال بفرصة عمل؛ كما أن المجتمع يرى المهاجر الناجح أكثر مما يرى المهاجر الذي يعاني أو يعود خائبًا. فالسيارة والهدايا والتحويلات المالية مرئية، بينما الوحدة والعنصرية والعمل الشاق وعدم الاستقرار في الخارج أقل ظهورًا. وينتج عن ذلك انتقاء اجتماعي لصورة الهجرة يجعلها تبدو أكثر نجاحًا مما هي عليه دائمًا.
إن عالم الاجتماع ألبرت هيرشمان يعرف الهجرة بوصفها «خروجًا» عندما لا يبدو «الصوت» فعالًا حيث يواجه الفرد المتذمر ثلاثة اختيارات، إما الولاء، أو التعبير والاحتجاج، أو الخروج.
فعندما يشعر الشاب أن المشاركة السياسية والنقابية والمدنية لا تغير وضعه بسرعة، تصبح الهجرة شكلًا من أشكال «التصويت». ولذلك لا ينبغي تفسيرها اقتصاديًا فقط، بل باعتبارها أيضًا مؤشرًا على ضعف الثقة في القدرة على تغيير الواقع من الداخل. ورغم ما شهده المغرب توسع في البنيات التحتية والحماية الاجتماعية وجذب الاستثمار ورقمنة بعض الخدمات. لكن هذه الإنجازات تنتمي إلى ما يمكن تسميته مخرجات الإصلاح، بينما يهتم المواطن أساسًا بـنتائجه الاجتماعية: فرص العمل، جودة المدرسة والمستشفى، القدرة الشرائية، السكن والحركية الاجتماعية.
المفارقة المغربية ليست أن الإصلاحات غائبة تمامًا، ولا أن كل شيء ثابت، بل أن الإصلاح الاقتصادي والمؤسساتي لا يتحول بالسرعة والعدالة الكافيتين لحصول تحسن محسوس في الحياة اليومية؛ فالمواطن لا يقيس الإصلاح بحجم الاستثمارات أو عدد القوانين والبرامج، بل بأسئلة مباشرة: هل وجد ابني عملًا؟ هل يكفي الراتب إلى نهاية الشهر؟ هل يتمكن من العلاج والتعليم دون استنزاف الأسرة؟ هل يحصل المرء على فرصة بكفاءته؟ وهل يستطيع التخطيط للمستقبل؟، وهنا تظهر فجوة واضحة. ففي النصف الثاني من سنة 2026، صرّح 78.3% من الأسر بأن مستوى معيشتها تدهور خلال الاثني عشر شهرًا السابقة، مقابل 5.2% فقط اعتبرت أنه تحسن. وفي الوقت نفسه، تُظهر الدراسة الهيكلية للمندوبية السامية للتخطيط أن مستوى المعيشة تحسن على المدى الطويل، لكن دون انخفاض مماثل في الفوارق. لا يوجد تناقض بين النتيجتين فيمكن أن يرتفع المتوسط الوطني، بينما تشعر غالبية الأسر بالضغط بسبب الأسعار أو الديون أو عدم استقرار الدخل أو اتساع المقارنة مع الفئات الأكثر استفادة. إذن، المشكلة ليست فقط «هل تحقق نمو؟»، بل أيضًا من استفاد منه؟ وأين؟ وبأي سرعة؟ وبأي كلفة اجتماعية؟
المعضلة الأساسية أن الاقتصاد المغربي يستطيع تحقيق النمو والاستثمار دون أن يولد عددًا كافيًا من الوظائف المستقرة والمنتجة، وهو ما أشار إليه تقرير حديث للبنك الدولي حيث ارتفع بين 2000 و2024 عدد السكان في سن العمل بنحو 47%، بينما لم يرتفع عدد المشتغلين إلا بنحو 20.7%. هذا يعني أن القدرة الديمغرافية والتعليمية للمجتمع تتوسع أسرع من قدرة الاقتصاد على إدماجها؛ كما أن المشكلة ليست البطالة وحدها، بل تشمل العمل غير المهيكل؛ الأجور الضعيفة؛ العقود الهشة؛ ضعف الحماية الاجتماعية الفعلية؛ صعوبة الانتقال من الدراسة إلى أول وظيفة؛ وتمركز الفرص في مدن وقطاعات محدودة.
فبحسب المندوبية السامية للتخطيط، يوجد نحو شاب واحد من كل ثلاثة بين 15 و29 سنة خارج العمل والدراسة والتكوين، مع ارتفاع أكبر لدى الشابات. وهذه ليست مجرد «بطالة مؤقتة»، بل خطر الانفصال الطويل عن المؤسسات المنتجة للاندماج الاجتماعي.
كما أن جزء من العقد الاجتماعي المغربي بُني على وعد ضمني وهو ادرس، كي تحصل على شهادة، ثم اعمل كي تترقي اجتماعيًا. سوسيولوجيًا، العمل ليس دخلًا فقط. إنه يمنح الفرد هوية ومكانة واستقلالًا واعترافًا اجتماعيًا. لذلك فإن الشاب الذي لا يجد عملًا لائقًا لا يشعر فقط بنقص المال، بل يشعر بأن المجتمع يرفضه ولا يمنحه موقعًا واضحًا داخله.
خلاصة القول الشباب المغربي لا يختار بين «حب الوطن» و«كراهية الوطن». إنه يوازن بين نظامين متخيلين للفرص.
حين يرى أن البقاء يعني انتظارًا طويلًا، ووظيفة هشة، واعتمادًا مستمرًا على الأسرة، وخدمات مكلفة، وقواعد غير واضحة، تصبح الهجرة قرارًا عقلانيًا من وجهة نظره، حتى لو كانت محفوفة بالمخاطر. وعليه، فإن الأزمة الأعمق ليست أزمة دخل فقط، بل أزمة قابلية المستقبل للتصديق. نجاح الإصلاح لن يقاس فقط بارتفاع النمو أو عدد المستفيدين، بل بقدرة الشاب المغربي على القول، إذا درست واجتهدت والتزمت بالقواعد، أستطيع أن أبني حياة كريمة هنا.
عندما تصبح هذه الجملة تجربة اجتماعية واسعة، لا مجرد وعد، ستتراجع جاذبية الهجرة تلقائيًا.













