من طاليس التفاهة إلى سقراط التهرگاويت

منذ 4 ساعات
من طاليس التفاهة إلى سقراط التهرگاويت
هشام الكدار

يروج اليوم في بعض القراءات المتسرعة أن شخصية “كبور” التي يقدمها حسن الفد تمثل امتدادا لروح سقراط النقدية، أي ذلك النموذج الذي يحاور ويقلق ويهدم المسلمات. غير أن هذا التشبيه، في تقديري، يفتقر إلى الدقة، بل يكشف عن خلط واضح بين النقد الحقيقي وبين مجرد السخرية العابرة.

فالنموذج السقراطي، كما هو معروف، لم يكن يكتفي بالإضحاك أو بالمفارقة، بل كان ينفذ إلى عمق التناقضات الاجتماعية والفكرية، ويضع السلطة بمختلف تجلياتها موضع مساءلة. أما ما يقدم في هذه النماذج الكوميدية، فيبدو أقرب إلى إعادة إنتاج صور جاهزة عن فئات اجتماعية بعينها، دون الاقتراب من البنيات العميقة التي تصنع تلك الصور.

الأمر نفسه ينسحب، بدرجات متفاوتة، على ما يقدمه طاليس، حيث تميل بعض الأعمال إلى اختيار الطريق الأسهل، أي استثمار عناصر سطحية في الواقع الاجتماعي بدل الانخراط في مساءلة حقيقية للتناقضات التي يعرفها المجتمع. والنتيجة أعمال تحقق الضحك، لكنها لا تفتح أفقا للتفكير.

السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو أين تحضر القضايا الكبرى داخل هذا اللون من الكوميديا؟ أين النقاش السياسي؟ أين الإشكالات الدينية؟ وأين الأسئلة المرتبطة بالتحولات الاجتماعية الحساسة؟

هذه المجالات، بما تحمله من توتر وتعقيد، كانت دائما من صلب الفن الساخر في تجاربه الأكثر عمقا. بل إن النكتة الشعبية، رغم بساطتها، استطاعت في كثير من الأحيان أن تلامس هذه المواضيع بجرأة لافتة دون أن تفقد روحها الفكاهية، ويمكن استحضار مثال الكريمي كأحد رموز هذا النفس الشعبي الجريء.

أما حين يكتفي العمل الكوميدي بالتركيز على اللهجات أو السمات الخارجية، وتعواج الفم مع القليل من التقلاز من تحت الجلباب، مع قدر من الإتقان في الأداء، فإنه يظل في حدود التمثيل السطحي، دون أن يرتقي إلى مستوى النقد. وهنا يفقد الفن الساخر أحد أهم وظائفه، وهي كشف الاختلالات لا التعايش معها أو إعادة إنتاجها.

إذ أن الضحك في حد ذاته ليس معيارا كافيا للحكم على قيمة العمل الكوميدي. فالفن الساخر، في جوهره، ليس مجرد وسيلة للإمتاع، بل أداة لطرح الأسئلة وإعادة النظر في المسلمات. وحين يغيب هذا البعد، يصبح الضحك غاية في حد ذاته، لا وسيلة لوعي أعمق.

بهذا المعنى، فإن المقارنة مع سقراط تبدو مجازا بعيدا، إن لم نقل مجحفا في حق تجربة فلسفية قامت أساسا على زعزعة اليقين لا على مسايرته

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.