ماهي خلفيات توتر العلاقات الإسبانية المغربية؟

منذ 3 ساعات
ماهي خلفيات توتر العلاقات الإسبانية المغربية؟
بلال التليدي

حدثان ميزا ساحة العلاقات الإسبانية المغربية على خلفية أحداث سبتة الأخيرة، فقد أصدرت الحكومة الإسبانية مرسوما برفع درجة التأهب الأمني في سبتة، واعتبارها منطقة ذات أهمية للأمن القومي، وتفعيل قيادة موحدة لتنسيق الأمن والإغاثة وإعادة المهاجرين ومنح وزير السياسة الإقليمية والذاكرة الديمقراطية، أنخيل فيكتور توريس، «سلطة وظيفية» لدفع وتنسيق الإجراءات المرتبطة بالأزمة. وأما الحدث الثاني، فقد سبق إعلان المرسوم، ويتعلق الأمر بالاجتماع الاستثنائي لمجلس الأمن القومي الإسباني، والذي كما يبدو رتب الأرضية لاتخاذ هذه الإجراءات.

الإسبان يترقبون حدثا ثالثا يتعلق بمثول رئيس الوزراء بيدرو سانشيز بين يدي البرلمان الإسباني لتقديم معطيات دقيقة حول ما جرى ليلتي 29 و 30 يوليو الماضي، لاسيما وأن الحزب الشعبي وأوساطا يمينية متطرفة تتهم المغرب بافتعال هذه الأزمة والوقوف خلفها

ثمة حالة غموض في الطبيعة الآنية للعلاقات المغربية الإسبانية، فالمسؤولون الإسبان بمن في ذلك الأمنيون منهم والعسكريون، فضلا عن مسؤولي قطاعي العدل والخارجية، لم يصرحوا بأي شيء يدين المغرب، بل على العكس من ذلك فقد أشادوا به، ولم يثر من مخرجات مجلس الأمن القومي الإسباني ما يعارض هذا الخطاب، على الأقل فيما هو معلن، فلا يزال الخطاب الإسباني الرسمي يعتبر التعاون مع المغرب مفتاحا أساسيا في تدبير أزمات الهجرة وإعادة المهاجرين.

من الملاحظ أن تصريف المغرب للموقف من أحداث سبتة بعث برسالة كونه يعالج مشكلة جزئية تشوش على العلاقات الإسبانية المغربية، لا كونه يدير توترا مفتوحا مع مدريد، فلم يرد في بادئ الأمر أي تصريح عن وزيري الداخلية أو الخارجية، وإنما صرف الموقف عبر متحدث باسم وزارة الداخلية، ثم عبر قصاصة عبر وكالة الأنباء الرسمية منسوبة إلى مصدر حكومي، ثم عبر وزير العدل السيد عبد اللطيف وهبي.

تفسير هذا الأسلوب يشير بوضوح إلى أن المغرب يعتبر ما جرى في أحداث سبتة مشكلة إسبانية محضة ذات خلفية قانونية وقضائية، وأنه لذلك، أبعد وزير الداخلية والخارجية عن الموضوع، وأبقى مجال تصريف الموقف بيد المتحدث عن الداخلية ليقدم معطيات ميدانية عن واقعة تدفق المهاجرين إلى سبتة وأسباب ذلك (يهم الداخل المغربي)، ومصدر حكومي، يعيد بشكل عام تكرار الموقف المغربي بخصوص العلاقة بإسبانيا والاتحاد الأوروبي ومقتضيات الشراكة في مكافحة الهجرة والتزامات كل طرف بخصوص ذلك، لكنه، أناط بوزير العدل التحدث في القضايا التفصيلية التي يقدر المغرب أنها السبب الحقيقي وراء هذه الأحداث، أي المقاربة القانونية والقضائية الإسبانية ودورها في تشجيع الهجرة.

إلى هنا وبالمقارنة بين الموقفين الإسباني والمغربي، تبدو الأمور منسجمة، على الأقل إذا لاحظنا أنه لا يتهم أحد الطرفين الآخر، بل يتحدثان في صميم العلاقة بينهما وضرورة التعاون وتحقيق شروط الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، ولا يختلفان في هدف مكافحة الهجرة غير النظامية. لكن، ثمة مؤشرات أخرى تجعل هذه النتيجة مجرد تعبير عن خطاب دبلوماسي يسعى إلى التهدئة ومحاولة حل المشكلة، فالمرسوم الذي أصدرته الحكومة الإسبانية،
باعتبار سبتة منطقة ذات اهتمام للأمن القومي الإسباني، وتصريحات عبد اللطيف وهبي بدعوة الجانب الإسباني لفتح حوار سياسي على وضع مدينة سبتة المحتلة، وحديث وزير الأوقاف المغربي بين يدي الاحتفال بالمولد النبوي أمام الملك محمد السادس عن سبتة المحتلة وجهود العلماء لتحريرها، تجعل طبيعة التوتر تأخذ أبعادا أخرى مختلفة.

ثمة تفسير يرى بأن إسبانيا تمارس نوعا من الابتزاز للسلطات المغربية عبر استعمال ورقة اللجوء السياسي، إذ لا تكتفي بتجميع المعارضين للنظام المغربي فوق أراضيها، بل تحول المهاجرين الذين حركتهم دوافع اجتماعية محضة إلى معارضين سياسيين، وتفسح لهم المجال للتعبير عن مواقف معارضة للدولة وخادمة للجزائر، وفي الوقت نفسه لا تلتزم بالتعاون القضائي، ولا تسلم المغرب المطلوبين لدى العدالة الذين صدرت في حقهم أحكام نهائية. مستند هذا التفسير هو حديث وزير العدل المغربي عن امتناع مدريد عن الالتزام بمقتضيات التعاون القضائي بين البلدين وعدم وجود أي رد من قبل نظيره الإسباني في العدل بخصوص هذه القضية.

التفسير الثاني، قانوني، ويتعلق بخلاف قانوني عميق بين الرباط ومدريد حول تدبير مكافحة الهجرة، فالرباط ترى أن قرار المحكمة العليا الإسبانية بعدم اعتبار الهجرة عبر البحر موجبة لإعادة المهاجرين ذريعة لتشجيع الهجرة غير النظامية، وتحويل المغرب إلى قبلة للمهاجرين من كل الدول، بما يعني أن قرار المحكمة العليا الإسبانية، يخلق مشكلة أمن قومي للمغرب، فضلا عن مشكلات تتعلق بعدم القدرة البشرية واللوجستية والمالية لمواجهة تداعيات هذا القرار خاصة وأن الدعم المقدم من الاتحاد الأوروبي للمغرب لمكافحة الهجرة يبقى محدودا. مستند هذا التفسير هو تكرار هذا المضمون في القنوات الثلاث التي تم فيها التعبير عن الموقف المغربي، وهو ما استجاب معه الاتحاد الأوروبي جزئيا بتعزيز الدعم للمغرب بهذا الخصوص. لكن من زاوية هذا التفسير، لم يقدم أي جواب إسباني بخصوص قرار المحكمة العليا، والشكل الذي سيتم تدارك الموقف به، وهل سيتم إصدار قرار آخر، أم ستلجأ الحكومة الإسبانية إلى إيجاد بديل قانوني يحد من تداعيات هذا القرار.

التفسير الثالث، سياسي، يرى أن المغرب استثمر قرار المحكمة العليا الإسبانية، وما أثاره من تدفق الهجرة إلى سبتة يهدد أمنه القومي، وأراد أن يجعل من ذلك مناسبة لإحياء مطلب الملك الراحل الحسن الثاني بإحداث خلية تفكير إسبانية مغربية في شأن سبتة ومليلية المحتلتين، وهو ما لم تتجاوب معه مدريد وقتها، ويبدو أن المغرب حسب هذا التفسير مصمم في أن يجعل من تسوية المشكلة بين لندن ومدريد بخصوص جبل طارق بداية للتفاوض والحوار مع مدريد بهذا الخصوص. مستند هذا التفسير هو حديث وزير العدل وإشارة وزير الأوقاف والشؤون الدينية المغربيين، ورد مصادر من الخارجية الإسبانية على ما ورد في تصريح عبد اللطيف وهبي، مغربية سبتة والحقوق التاريخية والجغرافية للمغرب، من أن سبتة ومليلية خاضعتان للسيادة الإسبانية.

التفسير الرابع، هو الآخر سياسي، لكنه مستنداته قد تبدو استخباراتية، ويتعلق بسيناريو رد مغربي على محاولة تقارب إسباني جزائري يستهدف مصالح المغرب، تم صناعته لدى زيارة رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز الأخيرة للجزائر. المؤشرات الظاهرة لهذا السيناريو محدودة، والبعض يتحدث عن إقدام مدريد على تخفيض مستوى ضخ الغاز من إسبانيا إلى المغرب، وفي المقال يمكن إدراج الموقف المغربي المطالب بالحوار مع مدريد لاسترجاع سبتة جزءا من ممارسة الضغوط لإعادة الأمور لنصابها.

في تقديري لا يوجد شيء واضح بخصوص طبيعة التوتر الإسباني المغربي، فالخلافات التي تطفو على السطح قد تكون سببا للمشكلة، وقد تكون مظهرا لها، لكن الثابت في كل ذلك أن مستقبل هذه العلاقات سيكون في المدى القريب أو المتوسط محكوما ببراديغم جديد، عنوانه: شراكة حقيقية بين البلدين بالتزامات متبادلة، أو توترات مطردة على خلفية تهديد الأمن القومي.

 

كتبه القدس العربي

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.