قصة أول مصفاة نفط في المغرب.. من الاكتفاء الذاتي إلى الإغلاق

26 أغسطس 2026
قصة أول مصفاة نفط في المغرب.. من الاكتفاء الذاتي إلى الإغلاق

كلاش بريس

على مسافة صغيرة من الساحل الأطلسي، تقف أول مصفاة نفط في المغرب، التي كانت يومًا رمزًا للاكتفاء الطاقي الوطني، قبل أن تتحول إلى ملف اقتصادي وقضائي معقد.

في صباح رمادي على شاطئ المحمدية، يقف أحد العمال القدامى أمام بوابة حديدية ضخمة يتآكلها الصدأ، محدقًا في اللافتة التي كُتب عليها بخط باهت: «الشركة المغربية لصناعة التكرير».

إنها مصفاة «سامير»، المشروع الذي وُلد من طموح الدولة الحديثة بعد الاستقلال، وتحول لاحقًا إلى أحد أبرز الملفات الاقتصادية والقضائية في المغرب، بعد توقفه عن الإنتاج وتراكم ديونه وخضوعه للتصفية القضائية.
خلف السور، تمتد أبراج معدنية صامتة وخزانات كانت يومًا تضج بالحياة. ويقول أحد العمال القدامى بنبرة يغلب عليها الحنين: «كنا ننتج وقود البلد كله تقريبًا، واليوم كل شيء يُستورد من الخارج».
وتلخص هذه العبارة مسار مصفاة «سامير»، التي انتقلت من رمز للسيادة الطاقية إلى ملف معقد تتداخل فيه الاعتبارات الاقتصادية والقضائية والاستثمارية.

البداية.. حلم التكرير المحلي

وُلدت فكرة بناء مصفاة «سامير» في أواخر خمسينيات القرن الماضي، في سياق سياسي كان فيه المغرب يبحث، بعد الاستقلال، عن أدوات لتعزيز استقلاله الاقتصادي.
وكانت المصفاة تمثل مشروعًا استراتيجيًا يهدف إلى تحويل المغرب من بلد يعتمد بشكل كبير على استيراد المشتقات النفطية إلى دولة قادرة على تأمين جزء مهم من حاجياتها من الوقود محليًا.
وفي عام 1959 تأسست شركة «سامير» بمبادرة من الدولة المغربية وبمشاركة رأسمال أجنبي، إذ شارك فيها مكتب الدراسات والممتلكات الصناعية والمكتب الإيطالي للهيدروكربونات، بشراكة مع شركة النفط الإيطالية «إيني».
وبحلول عام 1961، بدأ تشغيل أول وحدة لتصفية النفط الخام بطاقة إنتاجية تجاوزت 1.25 مليون طن سنويًا، أي نحو 25 ألف برميل يوميًا، لتصبح المصفاة إحدى أبرز المنشآت النفطية في المغرب.
وخلال العقود اللاحقة، توسعت المصفاة عدة مرات، لترتفع طاقتها التكريرية إلى نحو 10 ملايين طن سنويًا، أي ما يقارب 195 ألف برميل يوميًا قبل توقفها، وهو ما كان يعادل نحو 64 في المائة من الاستهلاك المحلي، إلى جانب طاقة تخزين تصل إلى مليوني متر مكعب.
وقبل توقفها، كانت المصفاة تنتج خمسة منتجات نفطية أساسية، هي البنزين والغازوال وزيت الوقود والكيروسين والبيتومين.
كما ساهم وجودها في تحويل المحمدية إلى مركز صناعي مهم، ونمت حول المصفاة شبكة واسعة من العمال والفنيين والموردين، فيما شهدت المدينة والميناء النفطي طفرة اقتصادية واضحة.

الخصخصة.. لحظة التحول

في عام 1973، قرر المغرب شراء حصص الإيطاليين في شركة «سامير»، قبل أن تُدرج الشركة في بورصة الدار البيضاء عام 1996.
ومع موجة تحرير الأسواق التي اجتاحت العالم خلال تسعينيات القرن الماضي، اتجه المغرب نحو خصخصة عدد من المؤسسات العامة، وكانت «سامير» ضمن المؤسسات التي فُتحت أمام الاستثمارات الأجنبية.
وفي عام 1999، استحوذت شركة «كورال بتروليوم هولدينغ» السويدية، التابعة لرجل الأعمال السعودي الإثيوبي محمد العمودي، على حصة الأغلبية في المصفاة، بلغت 67.27 في المائة.
وفي عام 2004، وقعت الحكومة المغربية اتفاقية مع المستثمر لتحديث مصفاة «سامير» وتطويرها، إذ تعهدت الشركة باستثمار 300 مليون دولار لهذا الغرض، غير أن الاتفاقية لم تُفعّل.
وكان يُنتظر من الصفقة أن تحدث نقلة نوعية على مستوى التقنيات والإدارة، وأن تخفف الأعباء المالية عن الدولة، غير أن السنوات التالية كشفت عن أزمة مالية متصاعدة.
فقد راكمت «سامير» ديونًا ضخمة تجاوزت 40 مليار درهم، لصالح الجمارك وبنوك محلية، وسط عوامل متعددة، من بينها مشاكل التسيير وتذبذب أسعار النفط عالميًا.
وبحسب تقرير برلماني صدر لاحقًا، كانت الشركة تشتري الخام بأسعار مرتفعة وتبيع المشتقات في السوق المحلية بهوامش ربح ضئيلة، ما ساهم في تفاقم العجز المالي.

2015.. حين توقف قلب التكرير

في صيف عام 2015، تلقى عمال مصفاة «سامير» خبرًا أشبه بالزلزال: توقف الإنتاج بشكل مفاجئ بسبب أزمة مالية خانقة.
توقفت وحدات التقطير، وأُطفئت الأفران، وخيم الصمت على المنشأة التي كانت تضخ مئات آلاف الأطنان من المشتقات النفطية.
وفي مارس 2016، أعلنت المحكمة التجارية بالدار البيضاء تصفية الشركة، وتعيين مصف قضائي لإدارة أصولها، مع بقاء المصفاة في وضعية توقف قسري دون تفكيك منشآتها.
ومنذ ذلك التاريخ، تحولت «سامير» من منشأة تشغيلية إلى موقع معلق بين إعادة التشغيل والتصفية، في انتظار مستثمر جديد أو قرار سياسي يعيد الحياة إلى وحداتها.
وفي سياق النقاش حول مستقبل المصفاة وأزمة المحروقات، صدر عام 2019 مرسوم بالإغلاق الدائم للمصفاة.
وبحسب بيانات آخر سنة مالية مصرح بها، وهي 2014، بلغت إيرادات شركة «سامير» نحو 4.4 مليار دولار، مقابل خسائر بلغت حوالي 250 مليون دولار.
أما في آخر تداول لسهم الشركة عام 2015، فقد هبط سعر السهم إلى 127 درهمًا، بعدما كان قد بلغ ذروته عند نحو 1100 درهم عام 2007.
ورغم توقف الإنتاج، ظل عدد من العاملين مرتبطين بالمصفاة، حيث يستمر حضورهم إلى المنشأة وفق الترتيبات المعمول بها، ويتلقون أجورهم، فيما تصدر المحكمة التجارية بالدار البيضاء، بصورة دورية، أذونًا قضائية باستمرار عقود العاملين.
وعلى مدى سنوات، نظم العمال مسيرات ووقفات احتجاجية للمطالبة بإنقاذ المصفاة وإعادة تشغيلها.

معركة التحكيم الدولي

لم يكن توقف «سامير» نهاية القصة، بل فتح فصلًا جديدًا على المستوى القضائي الدولي.
ففي عام 2018، رفعت شركة «كورال» قضية ضد الدولة المغربية أمام المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار التابع للبنك الدولي، مطالبة بتعويض قدره 2.7 مليار دولار، على خلفية ما اعتبرته خرقًا لاتفاقية حماية الاستثمار مع السويد.
وفي يوليوز 2024، صدر قرار ألزم المغرب بدفع 150 مليون دولار لصالح المستثمر، قبل أن يؤكد المركز القرار في نوفمبر من العام نفسه، بعد رفض طلب مراجعة الحكم المقدم من الطرفين.
ومن وجهة نظر الحكومة المغربية، كانت القضية تعبيرًا عن فشل استثماري خاص لا تتحمله الدولة، بينما رأى المستثمر أن القرارات التنظيمية ساهمت في انهيار المشروع.

عروض شراء.. دون صفقة نهائية

منذ إعلان التصفية، توالت عروض شراء المصفاة والاستحواذ على أصولها من أطراف محلية ودولية.
ففي عام 2017، عرض القضاء التجاري بالدار البيضاء أصول شركة «سامير» للبيع بقيمة افتتاحية بلغت نحو 2.1 مليار دولار، وتلقت العملية أكثر من 35 عرضًا محليًا ودوليًا، غير أن أيًا منها لم يتحول إلى صفقة نهائية.
وفي فبراير 2023، فتح القضاء التجاري مجددًا باب تلقي العروض لشراء الشركة، حيث قُدمت 15 عرضًا تراوحت قيمتها بين 1.8 و2.8 مليار دولار، بعضها من شركات من الولايات المتحدة والهند وبريطانيا وفرنسا وإسبانيا والسعودية والإمارات.
ورغم تجاوز بعض العروض للسعر الافتتاحي المحدد، حالت عقبات تقنية ومالية وقضائية دون إتمام صفقة نهائية.

ماذا خسر المغرب بغياب «سامير»؟

منذ توقف المصفاة، أصبح المغرب مستهلكًا للمشتقات النفطية من دون تكرير محلي، وهو ما عزز الاعتماد على الاستيراد لتأمين حاجيات السوق من الوقود.
وخلّف غياب «سامير» فراغًا في منظومة الإمداد الوطني، وجعل السوق المغربية أكثر ارتباطًا بتقلبات أسعار النفط والمنتجات المكررة في الأسواق الدولية.
كما ارتفعت فاتورة واردات المشتقات النفطية، بما انعكس على ميزان المدفوعات وحاجيات البلاد من العملة الصعبة.
وتشير تقديرات إلى أن المغرب يخسر سنويًا مليارات الدولارات نتيجة توقف المصفاة، سواء من حيث تكلفة الاستيراد أو فقدان فرص العمل والقيمة المضافة المرتبطة بالتكرير.
في المقابل، ظهرت أصوات تدعو إلى تجاوز نموذج التكرير التقليدي والتوجه نحو منظومة طاقية تعتمد بدرجة أكبر على الطاقات المتجددة والغاز المسال، معتبرة أن إعادة إحياء المصفاة قد لا تنسجم مع التحول الطاقي.
لكن خبراء يرون أن التكرير المحلي لا يتعارض بالضرورة مع الانتقال الطاقي، بل يمكن أن يشكل، خلال المرحلة الانتقالية، شبكة أمان لتعزيز الأمن الطاقي وتقليل مخاطر الاعتماد الكامل على الأسواق الخارجية.

الموقف الحكومي

قالت وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، ليلى بنعلي، في تصريحات سابقة، إن المملكة ليست بحاجة إلى إعادة تشغيل مصفاة «سامير»، مشيرة إلى أن الملف يتجاوز البعد الطاقي ليحمل طابعًا استثماريًا معقدًا.
وأوضحت بنعلي أن قضية المصفاة تراكمت على مدى أكثر من 20 عامًا، ما أدى إلى أزمات مالية وديون ثقيلة، مشيرة إلى أن صناعة التكرير تغيرت بشكل جذري منذ إنشاء المصفاة في ستينيات القرن الماضي.
وأضافت أن المنافسة الحالية تتطلب قدرات إنتاجية وتقنية أكبر، خصوصًا في مجالات معالجة البتروكيماويات ورفع الكفاءة التشغيلية.
وأكدت الوزيرة أن الحكومة تضع ضمن أولوياتها مصالح ثلاث فئات رئيسية، هي عمال المصفاة، والدولة، وسكان مدينة المحمدية، مشيرة إلى ضرورة مراعاة التوازن بين هذه المصالح.
وترى بنعلي أن أي استثمار حكومي فعال في المصفاة يحتاج إلى موارد مالية ضخمة وضمانات واضحة للجدوى الاقتصادية.

الخلاصة

قصة مصفاة «سامير» ليست قصة نفط فقط، بل تختزل مسارًا طويلًا من التحولات الاقتصادية والسياسية والاستثمارية التي عرفها المغرب.
فمن مشروع ارتبط في بدايته بفكرة الاستقلال الاقتصادي والسيادة الطاقية، إلى منشأة ضخمة توقفت عن العمل وتحولت إلى ملف قضائي واستثماري مفتوح، بقي السؤال الأساسي حاضرًا: هل يمكن إعادة إحياء المصفاة ضمن نموذج اقتصادي جديد، أم أن المغرب اختار نهائيًا طي صفحة التكرير المحلي؟
وبين المطالب بإعادة التشغيل والمواقف التي ترى أن الاستثمار في المصفاة لم يعد مجديًا بالشروط القديمة، تظل «سامير» واحدة من أكثر القضايا ارتباطًا بالنقاش حول الأمن الطاقي وكلفة المحروقات ومستقبل الصناعة النفطية في المغرب.

التحقيق لموقع الطاقة

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.