بين الأنا والمصلحة الجماعية: لحظة أنفا في مسار رفيقتنا فاطمة الزهراء التامني

منذ 5 ساعات
بين الأنا والمصلحة الجماعية: لحظة أنفا في مسار رفيقتنا فاطمة الزهراء التامني
فتح الله حافظي

رفيقتي فاطمة الزهراء التامني،

في لحظات قليلة من عمر السياسة، تقال أشياء كثيرة، لكن قلة منها فقط تظل قادرة على ملامسة الوجدان والبقاء في الذاكرة. وموقفك من دائرة أنفا كان من تلك اللحظات النادرة التي لا تقاس بما كسب أو فقد، بل بما تخلفه من أثر صامت وعميق، يظل يشتغل في الخلفية بعيدا عن ضجيج اللحظة الانتخابية.
لقد بدا تنازلك عن الترشيح كأنه إزاحة هادئة للذات عن واجهة المشهد، لا عن ضعف أو تراجع، بل عن وعي عميق بأن ما هو شخصي، مهما بدا لامعا ومغريا، يظل صغيرا أمام ما هو جماعي، وما هو استراتيجي، وما هو أبقى من لحظة الترشح نفسها. كأنك قلت بصمت نبيل إن السياسة ليست امتدادا للذات، بل امتحان دائم للقدرة على تجاوزها، وعلى كبح رغبتها في الحضور حين يقتضي المعنى الغياب.

رفيقتي فاطمة الزهراء، إن هذا القرار لم يكن قفزا في الفراغ، ولا خطوة معزولة عن سياقها، بل جاء من مسار طويل راكمت فيه تجربة ناضجة، بحضور قوي ومواقف صلبة في اللحظات التي كانت فيها الكلمة أثقل من الصمت، والاختيار أصعب من التردد، والوضوح أثمن من المجاملة. كنت هناك حيث يقاس الموقف بقدر ما يتحمل من كلفة، لا بقدر ما يمنحه من راحة، وحيث لا يكون الفعل السياسي مجرد موقع، بل مسؤولية تدفع أثمانها كاملة.
وقد شهدت قاعة المجلس الوطني سيلا من الإشادات في مداخلات الأعضاء، واهتزت القاعة بتصفيقات المناضلات والمناضلين الذين حيّوا شجاعتك وموقفك المبدئي، في لحظة بدت فيها القاعة كأنها تُجمع على معنى واحد: أن السياسة حين تستعيد أخلاقها، تصبح قادرة على إنتاج التقدير قبل الصراع، والاعتراف قبل التموقع.
ومن هنا، يبدو هذا التنازل امتدادا لذلك المسار، لا قطيعة معه، كأنه انتقال هادئ من موقع إلى فكرة، ومن حضور مباشر إلى تأثير أعمق وأهدأ، يراكم ولا يستهلك، ويؤثر دون أن يطلب الاعتراف، ويترك أثره في العمق بدل سطح المشهد. وفي هذا المعنى، لا يغيب الحضور بل يتبدل شكله، من مرئي إلى ممتد، ومن لحظي إلى تراكمي.
ولعل ما يزيد هذا الموقف إشراقا في عيون رفيقاتك ورفاقك، أنه لقي منهم تقديرا صادقا وإشادة لا تخلو من امتنان، لأنهم رأوا فيه تلك الروح التي تغلب وحدة الصف على لذة التموقع، وتقدم المصلحة الجماعية على بريق اللحظة، وتدرك أن قوة التنظيم لا تقاس فقط بمن يتقدم الصفوف، بل أيضا بمن يعرف متى يتقدم ومتى يفسح المجال لصالح التوازن العام. ويكفيك فخرا أن هذا التقدير لم يكن مجاملة عابرة، بل اعترافا بأن بعض القرارات لا تقرأ بالسياسة وحدها، بل تحس أيضا بالوجدان، وتفهم بما تتركه من أثر في النفوس قبل الحسابات.
لقد اخترت أن تنحي الأنا جانبا، لا لتغيبي، بل لتتسع الدائرة من حولك، وأن ترفعي قيمة الفكرة على حساب المقعد، وأن تمنحي المعنى فرصة ليأخذ مداه الأوسع. وفي ذلك ما يشبه النبل الصامت الذي لا يطلب تصفيقا، لكنه حين يمر يترك أثرا لا يمحى بسهولة، لأن صدقه يسبق ضجيجه، وعمقه يسبق ظهوره.
ففي السياسة كما في الحياة، لا تبقى الأقوال طويلا، لكن تبقى المواقف حين تكون صادقة بما يكفي لتلمس القلب قبل العقل، وتستقر في الذاكرة لا كحدث عابر، بل كعلامة على أن للمعنى مكانا ما يزال ممكنا وسط كل هذا الازدحام.
لك مني احترام يليق بالموقف والمعنى، وامتنان لما يخلفه من أثر هادئ وعميق.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.