فتح الله حافظي
كنت أعتقد أن الحريق الذي شبّ مؤخرًا بمقبرة سيدي رنون سيكون بمثابة صفعة توقظ المجلس الجماعي لمدينة سطات، وعلى رأسه رئيسته المغرومة بالصور والبلاغات، من سبات التدبير المناسباتي. كنت أعتقد أن النيران، وهي تلتهم الأعشاب اليابسة والأشجار، ستدفع المسؤولين إلى إدراك أن المقابر ليست فضاءات مهجورة، بل أماكن لها حرمتها، وأن صيانتها ليست من باب الإحسان، بل من صميم الواجب.
لكن يبدو أن الحريق لم يُحرق سوى الأعشاب، أما ثقافة اللامبالاة فما زالت عصية على الاحتراق.
فالصور التي بين أيدينا ليست مجرد لقطات عابرة، بل وثائق إدانة. أكوام من النفايات، وأطنان من الأعشاب اليابسة، وأغصان متراكمة، وممرات تكاد تختفي تحت الإهمال… كأن المدينة قررت أن تودع موتاها في فضاء منسي، لا يزوره المسؤولون إلا إذا حضرت الكاميرات، ولا يتذكرونه إلا إذا اشتعلت النيران.
المؤلم أن المجلس الجماعي يجد الوقت لإصدار البلاغات، وتنظيم جلسات التصوير، والترويج لإنجازات لا يراها المواطن، لكنه يعجز عن القيام بأبسط المهام: تنظيف المقابر، وإزالة الأعشاب الجافة، وجمع النفايات، وتأمين فضاءات يفترض أنها تتمتع بحرمة خاصة.
ليست هذه مجرد مسألة نظافة، بل قضية احترام. احترام للموتى، واحترام لعائلاتهم، واحترام لمدينة تستحق تدبيرًا يرقى إلى الحد الأدنى من المسؤولية. فحين تتحول المقبرة إلى مطرح للنفايات ومستودع للأعشاب اليابسة، فإن الإهانة لا تطال المكان وحده، بل تطال الضمير الجماعي.
ولا يتعلق الأمر بمقبرة سيدي رنون فقط، بل إن أغلب مقابر مدينة سطات تعيش الوضع نفسه، وكأنها خارج اختصاص الجماعة، أو كأن حرمة الموتى لا تدخل ضمن أولويات من يدبرون الشأن المحلي.
إن المجلس الجماعي ليس مطالبًا بإقناع المواطنين عبر البلاغات، بل عبر الواقع. وهذه الصور تقول بوضوح إن هناك فجوة كبيرة بين الخطاب والميدان. فلا قيمة لأي تواصل سياسي إذا كانت الحقيقة مكدسة في أكوام القمامة، ومتخفية تحت الأعشاب اليابسة التي قد تتحول، في أي لحظة، إلى حريق جديد.
لقد انتهى زمن تبرير الإهمال. وما تحتاجه سطات اليوم ليس مزيدًا من الصور، بل مسؤولين يدركون أن المدينة تُحترم من مقابرها أيضًا، وأن من يعجز عن صيانة حرمة الموتى، يصعب عليه إقناع الأحياء بأنه يحسن تدبير مدينتهم.





















