هندسة الاستحقاقات في المغرب بين منطق التحكم وحدود التحول الديمقراطي

17 أبريل 2026
هندسة الاستحقاقات في المغرب بين منطق التحكم وحدود التحول الديمقراطي

عثمان باقة

مع اقتراب المواعيد الانتخابية المقبلة في المغرب سواء تلك المتعلقة بانتخاب المجالس الترابية المحلية والاقليمية والجهوية ومجلس النواب او انتخابات الماجورين التي تفرز جزءا من اعضاء مجلس المستشارين يطفو الى السطح من جديد سؤال قديم متجدد الى اي حد ما تزال العملية الانتخابية تدار بمنطق الهندسة المسبقة بدل التنافس الحر المفتوح

ليس خافيا ان وزارة الداخلية بوصفها الفاعل المؤسساتي المركزي في تدبير العملية الانتخابية تضطلع بدور تقني وقانوني مفترض في ضمان نزاهة الاستحقاقات غير ان ما يثير النقاش بل والجدل هو انتقال هذا الدور في كثير من القراءات النقدية من مستوى التنظيم الى مستوى اعادة تشكيل الحقل السياسي وفق توازنات محسوبة سلفا

في هذا السياق تتحدث العديد من القراءات السياسية عن اعداد سيناريوهات متعددة للحكومة المقبلة لا من خلال صناديق الاقتراع وحدها بل عبر ضبط شروط انتاج النتائج ذاتها من خلال اعادة ترتيب الخريطة الحزبية واعادة توزيع مراكز القوة داخلها بل وحتى عبر الترويج غير المباشر لاسماء محتملة لرئاسة الحكومة تشترك في خاصية اساسية هي القبول المسبق داخل دوائر القرار والحصول على ما يشبه شهادة الثقة من مراكز النفوذ التقليدية

هذا المنطق لا يقتصر على الحقل الحزبي بل يمتد ايضا الى المجال النقابي حيث تسجل في افق انتخابات الماجورين ديناميات ما يعرف بالحركات الت……التي غالبا ما تطرح باعتبارها اعادة هيكلة داخلية لكنها في العمق تعكس صراعا حول التمثيلية وشرعية الوساطة الاجتماعية في ظل مؤشرات على رغبة ضمنية في اعادة تشكيل الخريطة النقابية بما يتلاءم مع متطلبات التوازن السياسي العام
ان هذه العمليات الاستباقية التي تقدم احيانا في خطاب رسمي بوصفها استعدادا تقنيا لضمان حسن سير الانتخابات تقرأ من زاوية نقدية باعتبارها استمرارا لنفس المنطق الذي حكم الحياة السياسية لعقود منطق الضبط المسبق للمدخلات من اجل التحكم في المخرجات وهي القاعدة التي تختزلها العبارة الشهيرة في علم السياسة نفس المدخلات تعطي نفس المخرجات

وبهذا المعنى فان ما يبدو في الظاهر كتجديد للنخب او اعادة ترتيب للاوراق لا يعدو في العمق ان يكون اعادة انتاج لنفس البنية السياسية بنفس الياتها وادواتها وان باشكال محدثة وهو ما يطرح اشكالية جوهرية تتعلق بمدى قدرة النظام السياسي على الانتقال من منطق التدبير الاداري للسياسة الى منطق التنافس الديمقراطي الحقيقي
لقد شهد المغرب دون شك محطات اصلاحية مهمة وبرزت في لحظات معينة اشارات توحي بامكانية بناء جسور ثقة جديدة بين الدولة والمجتمع غير ان هذه الجسور سرعان ما تتعرض للاهتزاز بل والانهيار في بعض الاحيان حينما تصطدم بواقع الممارسة السياسية التي تعيد انتاج نفس الاساليب القديمة القائمة على التحكم بدل التحرير وعلى التوجيه بدل التمثيل

في هذا الاطار تستعاد مقولة عالم السياسة جون واتربوري كل شيء في المغرب يتغير لكن لا شيء يتغير في العمق، او “كل شيء يتغير لكي لا يتغير اي شيء” وهي مقولة تختزل مفارقة التحول المغربي دينامية مستمرة على مستوى الشكل يقابلها نوع من الثبات البنيوي على مستوى الجوهر

ان الرهان الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في تنظيم انتخابات في مواعيدها الدستورية بل في اعادة الاعتبار للثقة كعنصر مؤسس للعملية السياسية وهذه الثقة لا يمكن ان تبنى عبر هندسة مسبقة او عبر التحكم في النتائج بل عبر ضمان شروط تنافسية حقيقية تتيح للمجتمع ان يعبر عن ذاته بحرية وتمنح للمؤسسات المنتخبة شرعية فعلية لا شكلية

في غياب ذلك سيظل السؤال مطروحا باحاح هل نحن امام انتقال ديمقراطي متدرج ام امام اعادة انتاج مستمرة لنفس النسق بادوات جديدة وهل يمكن لمنطق التحكم ان يؤسس لشرعية دائمة ام انه يؤجل فقط لحظة الانفجار السياسي والاجتماعي

اسئلة مفتوحة لكنها حاسمة في تحديد مالات التجربة السياسية المغربية في افق الاستحقاقات المقبلة.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.