مفارقة التنمية بخريبكة: من يتحمل مسؤولية غياب الأثر التنموي لثروات الإقليم؟

16 يوليو 2026
مفارقة التنمية بخريبكة: من يتحمل مسؤولية غياب الأثر التنموي لثروات الإقليم؟
حسين بومهاوتي

تطرح المفارقة التنموية التي تعيشها بعض الأقاليم المغربية علامات استفهام كبرى حول معايير توزيع الثروة الوطنية وتوطين المشاريع الاستثمارية. وإذا كان الحديث قد أثير مؤخراً حول مناطق صناعية ولوجستية كبرى دون أن ينعكس ذلك على محيطها الإقليمي، فإن إقليم خريبكة يظل النموذج الأكثر تعبيراً عن هذه الفجوة؛ حيث يساهم الإقليم بقوة في تحريك عجلة الاقتصاد الوطني وضخ موارد استراتيجية من منبع ثروته الفوسفاطية، في وقت يعيش فيه شبابه على وقع غياب الآفاق والمغامرة في “قوارب الموت” هرباً من البطالة والتهميش.

المتأمل في تاريخ خريبكة ومراكزها المجاورة يدرك أن المدينة تأسست بناءً على رؤية تخطيطية واضحة واكبتها بنية تحتية متكاملة وفضاءات ثقافية ورياضية ونوادٍ اجتماعية، وفرت قديماً بيئة ملائمة للعيش وفرص شغل حقيقية لأبناء المنطقة، وخلقت رواجاً تجارياً. أما اليوم، وبالمقارنة مع هذا الإرث التأسيسي، يجد الإقليم نفسه في مواجهة تراجع ملحوظ في جودة المرافق العامة وضيق شديد في العرض الاستثماري، مما جعل الساكنة تتساءل بمرارة: كيف يتحول إقليم يصدر الثروة الوطنية إلى بيئة طاردة للكفاءات وللشباب؟

وقد عمّق التقسيم الجهوي الحالي من عزلة خريبكة بعد إلحاقها بجهة بني ملال-خنيفرة. وبالعودة إلى الأرقام الرسمية لتوزيع الثروة بين جهات المملكة، نجد أن هذه الجهة تقبع في المرتبة السابعة وطناً، بينما تستحوذ ثلاث جهات رئيسية فقط (الدار البيضاء-سطات، الرباط-سلا-القنيطرة، وطنجة-تطوان-الحسيمة) على أزيد من نصف الثروة الوطنية.

هذه الفوارق المجالية الصارخة واستمرار تمركز الأنشطة الصناعية الكبرى في المحاور الساحلية التقليدية يحرم إقليم خريبكة من حقه المشروع في جلب استثمارات صناعية مهيكلة قادرة على خلق فرص الشغل وامتصاص شبح البطالة الذي يتربص بالشباب.

وأمام هذا التهميش، يطرح التساؤل الملح حول دور الجهات والمؤسسات التي تملك قانوناً وإمكانيات مفاتيح جلب الاستثمار وتنمية الإقليم، والتي تتقاسم المسؤولية المباشرة عن هذا الركود؛ وفي مقدمة هذه الجهات يبرز المكتب الشريف للفوسفاط (OCP)، الذي يستغل الثروة الأساسية للمنطقة دون أن ينعكس حجم معاملاته وأرباحه بشكل ملموس على واقع التشغيل والبنية التحتية والمرافق العامة للمدينة، مما يجعله يساءل أولاً عن نصيب الإقليم من مسؤوليته الاجتماعية والتنموية.

كما يُساءل المركز الجهوي للاستثمار (CRI)، بصفته شباكاً وحيداً ومحركاً لجلب الرساميل، عن مدى فاعلية خططه التسويقية لمؤهلات خريبكة وعقاراتها الصناعية، وعن غياب استراتيجية واضحة لتمكين الإقليم من نصيبه من المشاريع الكبرى الموجهة للجهة.

ويقع أيضاً على عاتق مجلس الجهة والمجلس البلدي توجيه الميزانيات لإعادة تأهيل البنية التحتية والمناطق الصناعية بخريبكة لجعلها جاذبة للمستثمرين، مع تجاوز التدبير اليومي البسيط وتسهيل التراخيص الإدارية.

وتظل السلطات الإقليمية (العمالة) المسؤول الأول عن التنسيق العام وتفعيل اللجان الإقليمية لدعم الاستثمار المحلي بشكل صارم، بينما يظهر قصور واضح في أدوار الاتحاد العام لمقاولات المغرب (CGEM) والغرفة الجهوية للتجارة والصناعة والخدمات في الترويج للمدينة كمنصة واعدة للاستثمار الخاص وربط جسور التواصل مع رجال الأعمال.

إن الخروج من هذا التهميش القاتل يتطلب تجاوز الحلول الترقيعية والتوجه نحو إقرار مبدأ “الاستفادة المتبادلة” (Gagnant-Gagnant). فالجهات الصناعية والشركات الكبرى، وعلى رأسها إدارة مكتب الفوسفاط والشركات المناولة والشركاء الذين يتعامل معهم ويشتري احتياجاته منهم، مطالبون أخلاقياً وتنموياً بفتح فروع إنتاجية وخدماتية لهم داخل إقليم خريبكة وتشغيل نسبة من كفاءات وشباب المنطقة. وهنا يأتي الدور الاستراتيجي للمؤسسات المسؤولة (المركز الجهوي للاستثمار، والعمالة، والجهة) في فرض شروط تفاوضية تلزم هذه المقاولات بتوطين جزء من أنشطتها كسبيل عملي وحيد لخلق دينامية اقتصادية حقيقية وتحقيق التوازن المفقود.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.