كلاش بريس
ليس بيان المكتب التنفيذي للكونفدرالية الديمقراطية للشغل الصادر في 5 شتنبر بياناً نقابياً عادياً لتعداد المطالب، بل وثيقة سياسية تقرأ لحظة مغربية عنوانها الاحتقان الاجتماعي وأزمة الثقة في المؤسسات.
فالبيان ينتقل من تشخيص غلاء المعيشة وتدهور القدرة الشرائية والبطالة والهشاشة وتراجع الخدمات العمومية واتساع الفوارق، إلى مساءلة الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية التي أنتجت هذا الوضع. المشكلة، وفق منطقه، ليست فقط في حجم الثروة، بل في طريقة توزيعها وفي الأولويات التي تحكم القرار العمومي.
غير أن الموقف الأكثر دلالة سياسياً يظهر في حديثه عن الانتخابات. فالكونفدرالية لا تكتفي بانتقاد استعمال المال والنفوذ وشراء الأصوات وما تعتبره إفراغاً للإرادة الشعبية من مضمونها، بل تنتقل إلى اتخاذ موقف انتخابي صريح بالدعوة إلى مساندة تحالف اليسار، و هذه الدعوة هي جزء من صيرورة اندراج النضال النقابي الكونفدرالي في إطار النضال الديمقراطي من اجل الحرية والكرامة والعدالة الإجتماعية
وهنا تكمن أهمية البيان.
فالكونفدرالية لا تقول فقط إن المشهد الانتخابي مختل، وإنما تقدم، في المقابل، اختياراً سياسياً تعتبره الأقرب إلى الدفاع عن الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والحقوق. وبذلك يصبح موقفها الانتخابي امتداداً مباشراً لموقفها النقابي: رفض سياسات عمومية تراها مسؤولة عن تعميق الفوارق والضغط على القدرة الشرائية، ومواجهة ممارسات انتخابية ترى أنها تضعف الثقة في المؤسسات.
إنها، عملياً، دعوة إلى الانتقال من الاحتجاج على نتائج السياسات إلى التأثير في الجهة التي تصنعها.
وهذا ما يمنح الموقف الانتخابي للكونفدرالية وزنه الحقيقي. فالنقابة هنا لا تكتفي بالدفاع عن الأجير داخل موقع العمل، بل تربط مصالحه بالاختيار السياسي الذي يحدد السياسات الاقتصادية والاجتماعية. ومن ثم فإن دعم فيدرالية اليسار الديمقراطي لا يبدو في سياق البيان تفصيلاً انتخابياً، بل جزءاً من تصور أوسع يعتبر أن تحسين شروط العيش يمر أيضاً عبر تغيير موازين القوى السياسية.
أما استحضار الذكرى التاسعة والأربعين لتأسيس الكونفدرالية، فيحيل إلى هويتها النضالية واستقلاليتها، بينما تؤكد مواقفها من فلسطين والسيادة الوطنية أن خطابها يتجاوز المطالب المهنية إلى قضايا العدالة والحقوق والقضايا الوطنية.
لكن الرسالة الأبرز تبقى في الداخل: الكونفدرالية اختارت أن تدخل الاستحقاق الانتخابي من موقع سياسي واضح، لا من موقع المتفرج.
وبهذا المعنى، فإن بيان 5 شتنبر لا يكتفي بطرح سؤال: لماذا تدهورت القدرة الشرائية؟ أو لماذا تراجعت الثقة في المؤسسات؟ بل يضيف سؤالاً أكثر حسماً: أي اختيار سياسي يمكن أن يغيّر هذه المعادلة؟
ومن هنا تكتسب دعوة مساندة فيدرالية اليسار الديمقراطي أهميتها، فهي تنقل البيان من خانة التشخيص والاحتجاج إلى خانة الاختيار السياسي.
إنها لحظة تقول فيها الكونفدرالية، بوضوح أكبر من بياناتها النقابية التقليدية: إن تغيير الواقع الاجتماعي لا ينفصل عن تغيير الاختيارات السياسية التي تنتجه.













