“بالقلم الأحمر” : الهواريات و اللعابات….ومهمة ضبط سوق الانتخابات

منذ 59 دقيقة
“بالقلم الأحمر” : الهواريات و اللعابات….ومهمة ضبط سوق الانتخابات

بقلم : فتح الله حافظي

إذا، وأسطّر على إذا بوصفها أداة شرط غير جازمة، صحّت الأخبار وما يتداوله رواد المقاهي في مدينة سطات، ونحن على أبواب الانتخابات، من أرقام عن ثمن شراء الصوت الانتخابي، فلن نكون أمام حملة انتخابية تتنافس فيها البرامج والرؤى، بل أمام سوق انتخابية تشتد فيها المزايدة كلما اقترب موعد الاقتراع، ويصبح فيها الفوز مسألة قدرة مالية أكثر منه استحقاقًا سياسيًا.
وفي هذه السوق، لا يُتداول الصوت الانتخابي منفردًا فقط، فهناك من يبيع صوته، ومن يجمع الأصوات، ومن يفاوض باسمها. وهنا تدخل الهواريات واللعابات إلى المشهد باعتبارهن، في الصورة التي يتداولها الناس عن الحملات الانتخابية، جزءًا من شبكة تعبئة واستقطاب الأصوات. شبكة لا تشتغل بمنطق البرنامج والإقناع، وإنما بمنطق النفوذ والعلاقات والقدرة على الحشد. ومعهن الشناقة والفراقشية وكبار الناخبين ومن يدور في فلكهم، تتسع السوق وتتعقد مسالكها، حتى يصبح للصوت سعر، وللصوت المجمع سعر آخر، ولشبكة الأصوات حساب مختلف.
أما ثمن هؤلاء جميعًا، فحدّث ولا حرج، إذ كلما اقترب موعد الاقتراع، ارتفعت قيمة «الخدمة الانتخابية» في سوق لا تخضع، كما يبدو في الحكايات المتداولة، لقانون العرض والطلب وحده، بل لقانون النفوذ وحجم الشبكة الانتخابية.
والأخطر أن المال الانتخابي لا ينتهي بانتهاء الحملة الانتخابية ولا بإغلاق صناديق الاقتراع. فإذا كان الوصول إلى المقعد قد تم بالإنفاق وشراء الأصوات، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بعد إعلان النتائج هو: كيف ستُمارس المسؤولية السياسية؟ وهل سيظل الفوز الانتخابي تكليفًا لخدمة المجتمع والمواطنين، أم يتحول إلى استثمار يسعى صاحبه إلى استرداد كلفته؟ هنا تحديدًا يلتقي المال الانتخابي بالفساد، فمن شراء الصوت قد يبدأ الطريق إلى شراء النفوذ، ومن النفوذ إلى استغلال المسؤولية، ومن استغلال المسؤولية إلى تحويل المال العام والمصلحة العامة إلى مجال للتعويض والاغتناء.
ولهذا فإن مواجهة شراء الأصوات ليست مجرد تفصيل قانوني في العملية الانتخابية، بل هي دفاع عن معنى الانتخابات ونزاهتها. فانتخابات تُشترى فيها الأصوات قد تنتج فائزين ومؤسسات منتخبة، لكنها لا تضمن بالضرورة تمثيلًا ديمقراطيًا حقيقيًا.
ولا شك أن ما يُتداول في المقاهي والدوائر الانتخابية لا يمكن أن يغيب عن الجهات المختصة، فعيونها لا تنام، وآذانها ــ كما يُفترض ــ تسترق السمع لما يدور في محيط العملية الانتخابية. فهل ستتحرك للتحقق مما يُتداول، ونحن على أبواب انطلاق الحملة الانتخابية، أم سيظل الحياد السلبي هو الموقف السائد، بدعوى غياب الدليل وانتظار حالة التلبس؟
فإذا كانت الجهات المختصة لا تتحرك إلا بعد أن يصبح شراء الأصوات واقعة مكتملة الأركان، فمتى تبدأ الوقاية؟ ومتى يصبح الاستباق جزءًا من حماية نزاهة العملية الانتخابية؟
فالانتخابات لا تُفسد يوم الاقتراع فقط، أحيانًا يبدأ إفسادها قبل ذلك بكثير، عندما يتحول الصوت الانتخابي إلى سلعة، والمال إلى بطاقة عبور نحو السلطة.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.