عبد الله مديد
تختلف أزمة التشغيل بين جهات المغرب، كما تختلف داخل الجهة نفسها بين المدن والقرى، وبين النساء والرجال، وتشتد صعوباتها لدى الشباب. فبين مجالات تستقطب الاستثمار واليد العاملة، وأخرى تعاني محدودية النشاط الاقتصادي وفقدان الوظائف، تبرز الحاجة إلى سياسات تستجيب لخصوصيات المجال وحاجات سكانه.
هنا يُطرح دور المجالس المنتخبة: كيف تسهم في التخفيف من البطالة؟ وما الصلاحيات والموارد التي تحتاجها؟ وكيف يمكن أن تتحول تدخلات المؤسسات والمقاولات والفاعلين الاجتماعيين إلى عمل مشترك، واضح المسؤوليات وقابل للمساءلة؟
لا تتحكم المجالس في السياسات الاقتصادية والجبائية الكبرى، لكنها تتخذ قرارات تؤثر في الاستثمار والتنمية والوصول إلى العمل. ولذلك تُساءل عن اختياراتها ومشاريعها، وعن استعمال الموارد الموضوعة رهن إشارتها، في حدود مسؤولياتها القانونية والفعلية.
وتكشف معطيات المندوبية السامية للتخطيط حجم التحدي. فقد بلغ معدل البطالة وطنياً 13% سنة 2025، ووصل إلى 37,2% لدى الشباب النشيطين بين 15 و24 سنة. وأحدث الاقتصاد خلال السنة نفسها 193 ألف منصب شغل صافٍ، نتيجة إحداث 203 آلاف منصب في المدن وفقدان 10 آلاف في القرى. وهي حصيلة تؤكد ضرورة الجمع بين التشخيص الوطني وفهم التحولات المحلية.
وتتطلب قراءة المعطيات في الجهات الاثنتي عشرة التمييز بين حصة كل جهة من مجموع العاطلين وطنياً ومعدل البطالة داخلها. وللتوضيح، ضمت الدار البيضاء–سطات، سنة 2025، نسبة 25,5% من مجموع العاطلين بالمغرب،
بينما بلغ معدل البطالة بين سكانها النشيطين 14,6%. وفي السنة نفسها، بلغ معدل البطالة في جهة الشرق 22,1%. فالمقارنة بين المعدلين، 14,6% و22,1%، تُظهر تفاوت شدة البطالة داخل الجهتين، أما نسبة 25,5% فتبيّن وزن الدار البيضاء–سطات في مجموع العاطلين وطنياً. وبذلك يمكن لجهة أن تضم عدداً أكبر من العاطلين، دون أن تسجل أعلى معدل للبطالة (المندوبية السامية للتخطيط، 2026أ).
كما تستوجب المقارنة بين معطيات التشغيل عبر السنوات احتياطاً منهجياً. فقد عوّضت المندوبية السامية للتخطيط، سنة 2026، «البحث الوطني حول التشغيل» بـ«بحث القوى العاملة»، وهو مسح إحصائي بالعينة لدى الأسر، مع تعديل المفاهيم وأدوات القياس. لذلك لا يمكن اعتبار الفروق بين نتائج البحثين دليلاً، في حد ذاتها، على تحسن وضع التشغيل أو تدهوره؛ إذ تقتضي المقارنة معطيات محسوبة وفق أسس متجانسة (المندوبية السامية للتخطيط، 2026ب).
بعد التشخيص، ينبغي تحديد مجال التدخل. فالمادة 82 من القانون التنظيمي المتعلق بالجهات تُسند إلى الجهة اختصاصات في دعم الاستثمار المنتج وتحفيز المبادرة المقاولاتية، وفق معايير وشروط وكيفيات تُحدد بنص تنظيمي، وفي إحداث وتنظيم مناطق الأنشطة الاقتصادية والإسهام في تعبئة العقار اللازم لها. غير أن إسناد الاختصاص قانوناً يطرح سؤال الوسائل المالية والبشرية والتنظيمية المتاحة لممارسته.
كما أن المادة نفسها، بصيغتها المعدلة سنة 2026، لم تعد تدرج التكوين المهني والتكوين المستمر والشغل ضمن ميادين الاختصاصات الذاتية. وتتيح المادة 93 للجهة، بمبادرة من الدولة، المساهمة في تمويل مشروع أو برنامج وطني داخل مجالها الترابي لا يدخل ضمن اختصاصاتها الذاتية، دون انتقال الاختصاص إليها. لذلك يحتاج كل تدخل إلى سند قانوني يوضح مسؤولية المؤسسة المختصة ومساهمة شركائها.
ولا يكفي إعلان مشروع أو تخصيص ميزانية له لإثبات فعاليته. فقد يتعثر بسبب ضعف الإعداد أو نقص التمويل أو صعوبة تعبئة العقار أو غياب التنسيق. وتبدأ المساءلة بتحديد سبب التعثر والمسؤولية عنه، ثم اتخاذ القرار الذي يسمح بتجاوزه.
ويتطلب ذلك أطراً ومؤسسات قادرة على إعداد المشاريع وتنفيذها وتقييمها، بالاعتماد على الذكاء الجماعي وتكامل الخبرات. وينبغي أن يحتل تأهيل هذه القدرات موقعاً واضحاً في التحضير للانتخابات الجماعية والجهوية لسنة 2027. كما يضع هذا الاستحقاق قادة الأحزاب أمام مسؤوليتهم في اختيار المرشحين وتأهيلهم، وجعل الكفاءة والنزاهة والالتزام بالمصلحة العامة معايير حاسمة في منح التزكيات. فقوة الجهة في قوة جيل جديد من المنتخبين، قادر على تحويل البرامج إلى منجزات وتحمل المسؤولية عن نتائجها.
ويمتد التدخل الترابي إلى عوائق القرب. فقد توجد فرصة عمل ويصعب الوصول إليها بسبب النقل، وقد ترغب امرأة في الالتحاق بالتكوين أو الشغل ولا تجد حضانة لأطفالها. لذلك تسهم خدمات النقل والحضانات والمطاعم المدرسية، حين تُنظم بشراكات تحترم اختصاصات المؤسسات، في تيسير الإدماج الاقتصادي ودعم الأسر.
وتقتضي معالجة هذه الصعوبات تقريب القرار من المجال، وتعزيز اللامركزية واللاتمركز الإداري، كل في نطاقه، مع توفير الموارد اللازمة. غير أن تعدد المتدخلين قد يشتت المسؤولية: فالجهة تبرمج مشاريع التنمية، ومؤسسات التكوين تؤهل، ومؤسسات التشغيل تواكب، والمقاولات توظف. وإذا اشتغل كل طرف منفرداً، قد ينتهي التكوين دون عمل، أو يتأخر الاستثمار لغياب المهارات المطلوبة.
من هنا نقترح ميثاقاً ترابياً للتشغيل والكفاءات، يرتبط ببرنامج التنمية الجهوية، ويجمع الفاعلين حول أولويات محددة. وينطلق من تشخيص حاجات المقاولات والمشاريع الجاري إنجازها، وقدرات التكوين، وأوضاع الباحثين عن العمل. وتُختار الأولويات وفق جدواها وقدرتها على توفير عمل لائق، بمعايير معلنة ونتائج تُراجع دورياً.
ثم تتحول الأولويات إلى التزامات: من يتولى التكوين وتمويله؟ وما تعهدات المقاولات في التدريب والتوظيف؟ ومن يعالج عوائق النقل ورعاية الأطفال؟ ويشمل الميثاق أيضاً مواكبة الأنشطة غير المهيكلة لتحسين الدخل وشروط العمل وتيسير الانتقال التدريجي إلى التنظيم والحماية الاجتماعية.
ويُضبط التمويل والآجال منذ البداية، وتُترجم الالتزامات إلى اتفاقيات أو عقود برامج تعتمدها المؤسسات المختصة. وتحدد هذه الوثائق المسؤوليات وشروط الصرف، وكيفية معالجة التأخر والإخلال بالالتزامات، وما يترتب عليهما وفق الإطار القانوني والتعاقدي، مع برمجة مالية متعددة السنوات للمشاريع الممتدة، وفق المساطر القانونية.
ولتنظيم المشاركة، نقترح إحداث إطار ترابي للتشاور والتتبع ضمن الميثاق، يجمع المؤسسات المعنية والمقاولات والنقابات والمجتمع المدني. وتُحدد قواعد تمثيله واجتماعاته، وكيفية حصول أعضائه على معطيات التنفيذ وعرض توصياتهم وتلقي الأجوبة بشأنها، مع بقاء القرار لدى الهيئات المخولة قانوناً.
أما التقييم، فيُقترح إسناده إلى فريق مؤهل ومستقل عن المنفذين، يُختار بشفافية وتُنشر نتائجه. ويقيس انتقال المستفيدين إلى العمل واستمرارهم فيه، ومستوى الأجور والحماية الاجتماعية، ونصيب النساء والشباب وسكان القرى. كما يميز مساهمة البرامج عما أحدثه تطور الاقتصاد أو تدخل فاعلين آخرين.
ويتيح التحضير لاستحقاقات 2027 طرح هذه الأفكار والدفاع عن جدواها، ومناقشة أفق الجهوية الموسعة بما يعزز قدرة الجهات على القرار والتنفيذ، في إطار وحدة الدولة والتكامل مع السياسات الوطنية. ويرتبط هذا الأفق بصلاحيات واضحة وموارد مناسبة ومساءلة ديمقراطية.
وأمام هذه التحديات، يحق للمواطن أن يسأل: فيما تفيد الجهات؟ وما القيمة الديمقراطية والتنموية التي تضيفها إلى تدبير الشأن العام؟
فالانتخابات لها كلفة، وللمجالس المنتخبة وإداراتها وبرامجها كلفة أيضاً. ويمنحها التمثيل الديمقراطي قيمة أساسية، بما يتيحه من تقريب القرار وتمثيل الحاجات المجالية والمشاركة والمساءلة. وتلازم هذه القيمة مسؤولية تحسين الاختيارات والخدمات وشروط العيش. لذلك يحق للمجتمع أن يعرف: هل حسّنت الجهة توجيه الاستثمار؟ وهل قرّبت الخدمات والفرص، ونسقت تدخلات المؤسسات، ووسعت قدرة المواطنين على التأثير في القرار ومساءلة أصحابه؟
ومع تراكم التجربة الانتخابية والاستعداد لاستحقاقات جديدة، تصبح مراجعة الحصيلة مسؤولية سياسية أمام المواطنين، تواكبها المساءلة القانونية والمالية وفق اختصاصات المؤسسات المعنية. فأمامنا تحديات التشغيل والماء والتعليم والصحة والفوارق المجالية، وهي تتطلب مؤسسات قادرة على القرار والتعاون والإنجاز. ولذلك ينبغي أن يجمع التحضير للانتخابات بين سؤالين: من ننتخب؟ وما الشروط التي تمكّن المؤسسات المنتخبة من الوفاء بانتظارات المجتمع؟
فالاختصاص يحتاج إلى موارد، والميثاق يحتاج إلى تنفيذ، والمساءلة تقوم على وضوح الالتزامات وقياس النتائج. وفي ملف التشغيل، تُختبر مساهمة الجهة بما تضيفه تدخلاتها إلى فرص الحصول على عمل لائق ومستدام، خصوصاً لدى النساء والشباب وسكان القرى.
ومن هنا ننتقل إلى التصريح الحكومي ومشروع قانون المالية: أي موقع يمنحانه للجهات في هذا المجهود الوطني، وبأي صلاحيات وتمويل والتزامات؟
عنوان













