بقلم : نعيمة الدراركة
تفتح تصريحات برلمانيَي إقليم خريبكة، عقب خروجهم من جلسة افتتاح السنة التشريعية، باباً واسعاً لنقاش تحليلي عميق يتجاوز مجرد الانفعال السطحي على منصات التواصل الاجتماعي. فهذه الخرجات الإعلامية، التي تراوحت بين وصف النائب محمد الزكراني للخطاب الملكي بـ “خطاب جيد” وتعبير النائبة الجديدة ريم السرار بـ “داكشي intéressant”، تشكل نموذجاً مصغراً لواقع التواصل السياسي بالمغرب واحتكاكه اليومي مع الرأي العام الرقمي.
من الزاوية التواصلية، يظهر جلياً وجود فجوة حقيقية بين التلقائية والعفوية التي يتعامل بها بعض البرلمانيين أمام الكاميرات، وبين التوقعات العالية للمواطنين الذين ينتظرون خطاباً مؤسساتياً متماسكاً. فالتصريح المباشر فور الخروج من القبة يضع المنتخب تحت ضغط زمني ونفسي كبير، مما يجعله يلجأ للغة اليومية المتداولة بعيداً عن الصياغات الجاهزة، وهو ما يُفسره البعض كعفوية وصدق تواصل بعيد عن “اللغة الخشبية”، بينما يراه آخرون ضعفاً في التكوين السياسي والقدرة على الخطابة.
أما من زاوية الأجيال والتجربة، فإن المقارنة بين النائبين تعكس تحولاً في ثقافة التواصل؛ فالنائب الذي راكم سنوات تحت القبة ما زال يعتمد على لغة انطباعية بسيطة ومباشرة تعبر عن ارتساماته بكلمات معدودة، في حين تعكس النائبة الجديدة لغة جيل شاب يدمج التعبير اليومي بالكلمات الأجنبية التلقائية. هذا التباين يوضح أن أزمة التواصل البرلماني لا ترتبط بعامل السن أو القدم في المؤسسة، بل بمدى غياب التأطير الإعلامي والاستراتيجية التواصلية المسبقة لدى الأحزاب السياسية.
من جهة أخرى، يسلط التفاعل الحاد على مواقع التواصل الاجتماعي الضوء على بيئة رقمية أصبحت شديدة التدقيق والتحليل لأصغر التفاصيل، حيث لم يعد الرأي العام يغفر الهفوات اللفظية أو الشكلية. هذا الواقع الجديد يفرض على المؤسسة البرلمانية وأعضائها إدراك أن الكلمة أمام الكاميرا اصبحت وثيقة تُتداول وتُحاكم في فضاء افتراضي يمتلك حساسية عالية تجاه لغة الخطاب ومستواه.
وفي هذا السياق، ينبغي الإنصاف والتأكيد على أن لغة العفوية والتعبير المباشر تحمل في جوهرها صدقاً وقرباً حقيقياً من الشارع بعيداً عن “اللغة الخشبية” والتصريحات المصطنعة التي طالما اشتكى منها المواطنون؛ فقد قدّم النائبان تحت ضغط الكاميرات والأسئلة السريعة انطباعاً حياً وبسيطاً يترجم القرب من النبض اليومي، بأسلوب يجمع بين عفوية النائب المخضرم ولغة العصر للنائبة الشابة، وهو ما يُحسب لهما كمحاولة لكسر الجمود المؤسساتي والتواصل بتلقائية إنسانية بعيداً عن التكلف الجاف.
انه لا يمكن اختزال الواقع السياسي في هفوة لسان أو تعبير عالي العفوية، لكن هذه الواقعة تظل جرس إنذار يؤكد على ضرورة الاستثمار في التكوين التواصلي للمنتخبين، وجسر الفجوة بين لغة المؤسسات وتطلعات الشارع، لضمان تواصل فعال يزاوج بين العفوية والرصانة المطلوبتين.













