عادل بنونة
لا يوجد في الدستور المغربي أو في أي نص قانوني ما يمنع رئيس الحكومة المغربية من قضاء عطلته خارج أرض الوطن، فالعطلة حق شخصي لكل مسؤول عمومي، غير أن المسؤولية السياسية لا تُقاس فقط بحدود المشروعية القانونية، وإنما تمتد إلى مجال أوسع هو المشروعية الدستورية والأخلاقية التي تجعل من سلوك المسؤول جزءاً من الرسالة السياسية التي يبعث بها إلى المجتمع.
فالدستور المغربي لسنة 2011 أقام تدبير الشأن العام على مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة، ونص في الفصل الأول على أن التنظيم الدستوري للمملكة يقوم على ربط المسؤولية بالمحاسبة.
كما أكد الفصل 154 أن المرافق العمومية تخضع لمعايير الجودة والشفافية والمحاسبة والمسؤولية، في حين ألزم الفصل 155 جميع القائمين على المرافق العمومية باحترام مبادئ المصلحة العامة والنزاهة والشفافية. ورغم أن هذه المقتضيات لا تنظم مكان قضاء العطلة، فإنها تؤسس لثقافة دستورية تجعل المسؤول مطالباً بالانسجام بين خطابه العمومي وسلوكه الشخصي كلما كان لذلك أثر على الثقة العامة.
ومن هذا المنطلق، يطرح اختيار رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، قضاء عطلته الصيفية في جزيرة مايوركا الإسبانية وفق ما تداولته وسائل إعلام مغربية، سؤالاً سياسياً مشروعاً وهو كيف يمكن إقناع المغاربة بالاستجابة لحملات تشجيع السياحة الداخلية، بينما يختار رئيس السلطة التنفيذية قضاء عطلته في إحدى أشهر المنتجعات الأوروبية؟
لقد استثمرت الدولة موارد مالية مهمة في تطوير القطاع السياحي، وأطلقت حملات من قبيل “نتلاقاو فبلادنا”، بهدف ترسيخ ثقافة استهلاك المنتوج السياحي الوطني، ودعم الاقتصاد المحلي، والمحافظة على العملة الصعبة، وتحريك عجلة الاستثمار والتشغيل. غير أن نجاح هذه السياسات لا يتوقف على الإعلانات والمؤشرات الاقتصادية فقط، بل يحتاج أيضاً إلى القدوة السياسية، فالرسائل التي يبعث بها المسؤولون من خلال سلوكهم قد تكون أبلغ أثراً من أي حملة تواصلية.
وتزداد حساسية هذا الاختيار بالنظر إلى الظرفية التي جاء فيها. فبلدنا المغرب عاش على وقع تداعيات محاولات الهجرة الجماعية نحو سبتة، وما رافقها من استنفار أمني ومشاهد مأساوية لشباب فقدوا الثقة في إمكانية تحقيق مستقبل كريم داخل وطنهم. وفي مثل هذه اللحظات، لا يبحث الرأي العام فقط عن الحلول، بل أيضاً عن حضور سياسي وتواصلي يعكس استشعار المسؤولين لثقل المرحلة الأمر الذي لم يحدث من رئيس حكومتنا الذي فضل الصمت.
وهنا تبرز المقارنة مع إسبانيا من زاوية الرمزية السياسية، فعندما واجهت إسبانيا ضغوطاً مرتبطة بملف الهجرة، حرص رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، على الحضور الميداني في الثغر المحتل – سبتة – لتتبع تطورات الوضع وإرسال رسالة سياسية بشأن تعامل الدولة مع الأزمة.
وبعد ذلك، اختار قضاء عطلته داخل التراب الإسباني، في المقر الرسمي المعروف باسم “لا ماريتا” بجزيرة لانزاروت في أرخبيل جزر الكناري، وهو اختيار حمل في نظر العديد من المراقبين بعداً رمزياً يتمثل في دعم الوجهات السياحية الوطنية وإبراز الثقة في المنتوج السياحي الإسباني.
ولا يتعلق الأمر بالمفاضلة بين حقين شخصيين، وإنما بالمقارنة بين نموذجين في توظيف الرمز السياسي. ففي الديمقراطيات الحديثة، أصبح سلوك المسؤول جزءاً من أدوات تنفيذ السياسات العمومية، لأن الصورة التي يقدمها للرأي العام قد تعزز تلك السياسات أو تضعفها.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي حكومة ليس الانتقاد السياسي، وإنما اتساع الفجوة بين خطابها وممارساتها. فعندما تطلب من المواطنين إنعاش السياحة الداخلية، وتشجيع الاستهلاك الوطني، ودعم الاقتصاد المحلي، يصبح من المشروع أن ينتظر المواطن أن يجسد كبار المسؤولين هذه التوجهات في اختياراتهم كلما أمكن ذلك. وإلا فإن الرسالة التي تصل إلى الرأي العام ستكون أن ما يُطلب من المواطن لا يلتزم به من يضع السياسات العمومية.
وفي ظل أزمة الهجرة الجماعية التي كشفت حجم القلق الاجتماعي لدى فئات واسعة من الشباب، كان بلدنا المغرب في حاجة إلى رسائل سياسية تعزز الثقة والانتماء، وتؤكد أن المسؤولين يعيشون نبض الوطن في أوقات الرخاء كما في أوقات الشدة. فالمسؤولية السياسية، كما أرادها الدستور، لا تبدأ عند حدود احترام القانون، بل تمتد إلى تجسيد قيم القدوة، والالتزام، والانسجام بين القول والفعل، لأن الثقة في المؤسسات تُبنى بالممارسة قبل أن تُبنى بالخطب والبلاغات.


















