فتح الله حافظي
كتب الطيب صالح “موسم الهجرة إلى الشمال” ليحكي عن رحلة مثقف جنوبي إلى أوروبا، رحلة كانت مشحونة بأسئلة الهوية والاستعمار والبحث عن الذات. أما اليوم، فيكتب آلاف الشباب المغاربة رواية أخرى بالعنوان نفسه، لكن بفصول أكثر قسوة. لم يعودوا يعبرون نحو الشمال حاملين الشهادات والأفكار، بل يحملون الخيبة والخوف، ويقفون عند أبواب سبتة المحتلة، وفي شوارع الفنيدق، على أمل أن يجدوا في الضفة الأخرى ما عجز وطنهم عن توفيره لهم.
المشهد الذي عاشته الفنيدق وباب سبتة خلال اليومين الماضيين لم يكن مجرد محاولة جماعية للهجرة غير النظامية، بل كان مرآة تعكس أزمة أعمق من مجرد الرغبة في عبور الحدود. لقد كان سؤالاً وطنياً صادماً: كيف أصبح الشمال، في مخيلة آلاف الشباب، مرادفاً للأمل، بينما صار الوطن نفسه فضاءً لتأجيل الأحلام؟
عندما يتدفق هذا العدد من الشباب نحو مدينة سبتة المحتلة، فإن الرسالة لا ينبغي أن تُقرأ فقط من زاوية الأمن أو القانون. فالحدود تحرسها القوات، لكن الأوطان يحرسها الأمل. وإذا كان البحر قد تحول إلى مشروع حياة، فذلك لأن اليابسة لم تعد تمنح كثيرين ما يكفي من أسباب البقاء.
لقد اعتدنا، في كل مرة تتكرر فيها مثل هذه المشاهد، أن نبحث عن “المحرضين” و”مهربي البشر” و”الدعوات المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي”. ولا شك أن هؤلاء يتحملون جانباً من المسؤولية. لكنهم لا يصنعون اليأس، بل يستثمرون فيه. أما صانع اليأس الحقيقي، فهو واقع اجتماعي يزداد قسوة، وبطالة تحاصر الشهادات، وفوارق اجتماعية تتسع، وشعور متزايد بأن فرص النجاح لا تتاح للجميع بالقدر نفسه.
لقد حقق المغرب، دون شك، بعض الإنجازات المهمة في البنيات التحتية، والملاعب…، وهي مكاسب لا يمكن إنكارها. لكن أحداث الفنيدق وباب سبتة تذكرنا بأن التنمية لا تُقاس فقط بما يُبنى من جسور وموانئ،وملاعب ،بل أيضاً بعدد الشباب الذين يؤمنون بأن مستقبلهم يمكن أن يُبنى داخل وطنهم.
والمفارقة المؤلمة أن مدينة سبتة، التي ما تزال ترزح تحت الاحتلال، أصبحت في نظر بعض الشباب بوابةً للأمل. وهذه مفارقة ينبغي أن تُقلق الجميع، لأنها لا تعكس فقط جاذبية الضفة الأخرى، بل تكشف أيضاً حجم الإحباط الذي يدفع أبناء الوطن إلى المجازفة بحياتهم.
إن حماية الحدود واجب سيادي لا نقاش فيه، لكن حماية الأمل واجب سياسي واجتماعي لا يقل أهمية. فالدول لا تُقاس فقط بقدرتها على منع أبنائها من المغادرة، بل بقدرتها على جعلهم يختارون البقاء. وما وقع في الفنيدق وباب سبتة ليس حادثاً عابراً، بل إنذاراً يدعو إلى مراجعة السياسات العمومية، وتعزيز العدالة الاجتماعية، وتجديد الثقة بين الشباب ووطنهم.
فأخطر أشكال الهجرة ليست تلك التي تعبر البحر، بل تلك التي يهاجر فيها الأمل من قلوب الشباب قبل أن تهاجر أجسادهم.

















