في مشهد سياسي يثير الكثير من علامات الاستفهام، خرج نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال ووزير التجهيز والماء، ليتحدث بلغة “المعارض” الغيور على القدرة الشرائية للمواطنين، متناسيًا عمدًا أنه يجلس في نفس السفينة الحكومية، وأن قراراتها وتوجهاتها تلزمه تضامنيًا.
هذا التحول المفاجئ في الخطاب، ومحاولة إلقاء اللوم بالكامل على قطاع الفلاحة الذي يقوده الوزير أحمد البواري، لا يمكن تصنيفه إلا كقفزة سياسية واضحة تمليها حسابات اقتراب المواعيد الانتخابية ورغبة مكشوفة في التنصل من المسؤولية.
إن ادعاء بركة بأن وزارته قامت باللازم في ملف الماء، ومطالبته قطاع الفلاحة بتطبيق الجانب المتعلق به، يمثل ذروة التملص من المسؤولية المشتركة؛ فكيف لوزير يشارك في صياغة السياسات العمومية منذ سنوات، ويصادق على الميزانيات، أن يخرج اليوم ليقول “أنا قمت بواجبي والآخرون فشلوا”؟ إن الغلاء الذي طال معيشة المغاربة ووصل فيه سعر اللحم إلى 170 درهمًا هو نتاج تدبير حكومي مشترك، والمسؤولية فيه تضامنية لا تقبل التجزئة بين مكونات التحالف.
هذا الانقلاب في المواقف يظهر أيضًا في التناقض الصارخ بخصوص “شماعة الجفاف”. فطيلة السنوات الماضية، كانت الحكومة بكل مكوناتها، ومن بينها نزار بركة، تبرر أي تعثر أو غلاء بتوالي سنوات الجفاف والتغيرات المناخية كقدر لا مفر منه. لكن فجأة، اختفت هذه الشماعة في خطابه الأخير، ليتحول الجفاف إلى مسؤولية تقصير قطاع الفلاحة وحده، مما يؤكد أن المبررات تطوع وتتغير حسب المصالح السياسية الضيقة.
وفي الوقت الذي يدعي فيه الوزير أن وزارته “قامت باللازم”، فإن واقع الحال في العديد من القرى والبوادي المغربية يكذب هذه الادعاءات جملة وتفصيلاً. فالانقطاعات المتكررة للماء الصالح للشرب، والندرة الحادة التي تعيشها فئات واسعة من مغرب الهامش، تقع في صلب اختصاصات وزارة التجهيز والماء. فإذا كان نصف المغرب القروي يعاني العطش والخصاص، فكيف يستقيم الحديث عن إنجاز المهمة بنجاح؟
علاوة على ذلك، فإن محاولة تبني الأوراش الكبرى، كتحلية مياه البحر والربط المائي بين الأحواض، كإنجازات حزبية أو شخصية، تفتقد للكثير من الموضوعية؛ فهذه المشاريع الاستراتيجية هي أوراش ملكية بامتياز، حظيت برعاية وتوجيهات ملكية سامية ومباشرة، ولم يتعد دور الوزارة فيها حدود التدبير والتتبع التنفيذي. وبالتالي، لا يمكن استغلالها اليوم كغطاء للتستر على الإخفاقات القطاعية الأخرى، سواء تعلق الأمر بقطاع الماء، أو بوضعية الطرق والبنيات التحتية التي تقع تحت مسؤوليته المباشرة وتعرف تعثرات واضحة.
المنطق السياسي السليم يفرض مواجهة الحقيقة: إذا كان هناك غلاء غير مسبوق في الأسعار أضر بالقدرة الشرائية للمواطنين، فنزار بركة كان شريكًا وشاهدًا داخل المجلس الحكومي الذي ناقش وصادق على تلك التوجهات.
إن محاولة القفز من سفينة الأغلبية وانتقاد الحلفاء لمجرد اقتراب الاستحقاقات هي لعبة مكشوفة؛ فالمغاربة اليوم يملكون من الوعي ما يكفي ليدركوا أن من كان شريكًا في التدبير، هو بالضرورة شريك في الحصيلة بحلوها ومرها، ولا يمكنه اليوم أن يرتدي ثوب المعارض وهو يتربع على كرسي الوزارة.



















