بالقلم الأحمر : حتى لا ننسى… “مول ديروا النية”

6 يوليو 2026
بالقلم الأحمر : حتى لا ننسى… “مول ديروا النية”
فتح الله حافظي

 

من أسوأ ما يمكن أن يصيب مجتمعًا أن تصبح ذاكرته قصيرة. أن يحتفي بمن يقف على منصة التتويج، وينسى من بنى المنصة أصلاً. وأن ينسب الفضل دائمًا إلى آخر من وصل، متجاهلًا أولئك الذين تحملوا مشقة البداية، ودفعوا ثمن التجربة، وزرعوا البذور الأولى للنجاح.

في كرة القدم كما في السياسة والإدارة والثقافة، لا يصنع الإنجاز شخص واحد، ولا يولد في يوم واحد. إنه ثمرة تراكم طويل، تتعاقب فيه الأدوار، ويتبادل فيه الرجال على حمل المشعل. ولذلك، فإن الإنصاف يقتضي أن يُنسب الفضل إلى كل من ساهم في البناء، لا إلى من صادف وجوده عند لحظة الحصاد فقط.

من هنا، يبدو استحضار اسم وليد الركراكي في خضم الفرحة بالإنجاز المونديالي أكثر من مجرد التفاتة عاطفية لمدرب سابق. إنه تعبير عن وعي جماعي بأن النجاح الذي يعيشه المنتخب اليوم لم ينبت من فراغ، بل هو امتداد لمسار بدأ عندما تغيرت العقلية قبل أن تتغير النتائج.

لقد نجح الركراكي في أمر قد يكون أصعب من الفوز بالمباريات. نجح في تحرير اللاعبين من عقدة الخوف، وفي إقناعهم بأن مواجهة كبار العالم ليست رحلة للبحث عن الخروج بأقل الأضرار، وإنما فرصة للفوز. وهذا التحول الذهني هو الذي يصنع الفارق بين منتخب يشارك، ومنتخب ينافس.

وحين كان يردد عبارته الشهيرة: “ديروا النية”، لم يكن يدعو إلى الاتكال على الحظ، كما فهمها البعض آنذاك، بل كان يدعو إلى الإيمان بالقدرة على تحقيق ما كان يبدو مستحيلًا. فالنية، في الثقافة المغربية، ليست أمنية فارغة، بل هي صدق العزم، ونقاء الهدف، والاستعداد لبذل كل ما يلزم للوصول إليه.

ولذلك، فإن من الظلم اختزال الإنجازات في أسماء الحاضر فقط. فالنجاحات الكبيرة لا تعرف القطيعة، بل تقوم على مبدأ الاستمرارية. كل مدرب يضيف لبنة، وكل جيل يسلم المشعل للجيل الذي يليه، وكل مرحلة تستفيد مما سبقها.

ولعل ما يستحق الاحتفاء حقًا ليس فقط الإنجاز الرياضي، وإنما هذا السلوك الحضاري الذي عبر عنه المغاربة وهم يستحضرون اسم وليد الركراكي في لحظة الانتصار. فقد أثبتوا أن الوفاء لا يقل أهمية عن الفوز، وأن الاعتراف بالجميل قيمة لا ينبغي أن تغيب تحت ضجيج وفرحة النتائج.

نحن، في مجالات كثيرة، نعاني من ثقافة “صاحب آخر صورة”. ننسى سريعًا من أسس، ومن ضحى، ومن تحمل الانتقادات، ونهرول نحو تمجيد من وجد البناء قائمًا فأحسن استثماره. إنها ثقافة تظلم الأشخاص، لكنها قبل ذلك تظلم الحقيقة نفسها.

أما الأمم الواثقة من نفسها، فهي تعرف أن التاريخ لا يكتب بمنطق الأبيض والأسود، ولا بمنطق “هذا أو ذاك”، بل بمنطق التراكم. فلا أحد يصنع المجد وحده، ولا أحد يحتكر النجاح لنفسه.

لهذا، فإن عنوان “حتى لا ننسى مول ديروا النية” ليس مجرد تحية لوليد الركراكي، بل هو دفاع عن قيمة أعمق: أن يكون الاعتراف بالفضل جزءًا من أخلاق المجتمع، وأن ندرك أن من يزرع ثقافة الانتصار قد لا يكون دائمًا هو من يرفع الكأس، لكنه يظل شريكًا أصيلًا في كل إنجاز يأتي بعده.

فالذاكرة التي تحفظ الجميل… هي وحدها القادرة على صناعة مستقبل أجمل.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.