من يدافع عن الوطن؟

منذ 4 ساعات
من يدافع عن الوطن؟
عثمان باقة

لم يكن التصويت ضد مقترحي القانونين اللذين تقدمت بهما الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بشأن تأميم شركة “لاسامير” وتسقيف أسعار المحروقات مجرد موقف تقني أو اختلاف في التقدير الاقتصادي، بل كان لحظة سياسية كاشفة أعادت طرح سؤال جوهري: إلى جانب من تقف المؤسسات المنتخبة والأحزاب السياسية عندما يتعارض منطق الربح الخاص مع المصلحة العامة؟
لقد اختارت أغلبية مجلس المستشارين الاصطفاف ضد مشروعين يرميان إلى حماية الأمن الطاقي الوطني والقدرة الشرائية للمواطنين، في وقت يعاني فيه المغاربة من موجات متتالية من الغلاء، ومن الارتفاع غير المبرر لأسعار المحروقات رغم تراجع الأسعار في الأسواق الدولية في العديد من الفترات. والأكثر إثارة للاستغراب هو الموقف الذي اتخذه حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الحزب الذي ارتبط اسمه تاريخياً بالدفاع عن العدالة الاجتماعية ومقاومة تغول الرأسمال، فإذا به يمتنع عن التصويت ويعلن صراحة رفضه المبدئي للتأميم.

لقد برر ممثلو الحزب موقفهم بالقول إن تأميم “لاسامير” يبعث رسائل سلبية إلى المستثمرين ويضر بصورة المغرب الاقتصادية. غير أن هذا المنطق يطرح سؤالاً بسيطاً: أي استثمار هذا الذي يخشى من تدخل الدولة لإنقاذ منشأة استراتيجية تمثل جزءاً من الأمن الطاقي الوطني؟ وهل أصبحت مصالح المستثمرين أهم من مصالح ملايين المواطنين الذين يواجهون يومياً ارتفاع تكاليف المعيشة؟

إن الذين يلوحون بفزاعة “التأميم” يتجاهلون أن الدول الرأسمالية نفسها لم تتردد في التدخل المباشر لإنقاذ قطاعات وشركات استراتيجية عندما اقتضت المصلحة الوطنية ذلك. فالولايات المتحدة أنقذت المؤسسات المالية الكبرى خلال أزمة 2008 بأموال عمومية، وفرنسا وألمانيا وبريطانيا تدخلت لحماية قطاعات حيوية خلال الأزمات الاقتصادية وجائحة كورونا، ولم يعتبر أحد ذلك عداءً للاستثمار أو خروجاً عن قواعد الاقتصاد الحديث.

الحقيقة أن النقاش حول “لاسامير” ليس نقاشاً إيديولوجياً بين الاشتراكية والرأسمالية، بل هو نقاش حول السيادة الوطنية. فمنذ توقف المصفاة عن العمل أصبح المغرب الدولة الوحيدة تقريباً في المنطقة التي تخلت عن قدراتها الوطنية في التكرير، وأصبح معتمداً بشكل شبه كامل على الاستيراد الخارجي، بما يجعل أمنه الطاقي رهينة لتقلبات الأسواق الدولية ولحسابات الشركات الخاصة.

إن تأميم “لاسامير” لا يعني مصادرة الملكية الخاصة ولا العودة إلى اقتصاد موجه، وإنما يعني استرجاع الدولة لمنشأة استراتيجية أنجزت بعرق المغاربة واستثماراتهم، وتوظيفها لخدمة المصلحة العامة. فالأمن الغذائي والمائي والطاقي ليست مجرد أنشطة تجارية، بل هي ركائز للسيادة الوطنية لا يمكن تركها بالكامل لمنطق السوق والمضاربة.

أما الحجة الثانية المتعلقة برفض تسقيف أسعار المحروقات، فهي أكثر هشاشة. فحتى مجلس المنافسة نفسه سبق أن أقر بوجود اختلالات كبيرة في سوق المحروقات بعد تحرير الأسعار، كما أن تقارير متعددة سجلت تحقيق شركات التوزيع لأرباح استثنائية خلال فترات الأزمات الدولية. وإذا كان ممثلو الاتحاد الاشتراكي يعترفون بوجود غلاء وتحايل واختلالات، فإن السؤال المنطقي هو: لماذا رفضوا الآلية التشريعية التي تهدف إلى الحد من هذه الاختلالات؟

إن تسقيف الأسعار ليس إجراءً غريباً في الاقتصاد العالمي، بل تلجأ إليه حكومات كثيرة عندما تتحول المواد الأساسية إلى مجال للمضاربة والاحتكار. فالدولة التي تتدخل لحماية القدرة الشرائية لمواطنيها لا تعادي السوق، بل تضع حدوداً لجشع الاحتكارات عندما يصبح الربح الخاص على حساب الاستقرار الاجتماعي.

لقد كشفت تجربة تحرير أسعار المحروقات في المغرب عن مفارقة صارخة: تم تحرير الأسعار بدعوى المنافسة، لكن المستهلك لم يستفد من هذه المنافسة، بينما استفادت الشركات من هوامش ربح مرتفعة. وفي الوقت الذي تحمل فيه المواطن أعباء ارتفاع الأسعار، استمرت شركات التوزيع في مراكمة الأرباح بمليارات الدراهم.

إن موقف الكونفدرالية الديمقراطية للشغل لا ينطلق من حسابات انتخابية ضيقة ولا من مزايدات سياسية عابرة، بل من تصور يعتبر أن الدولة مسؤولة عن حماية المصلحة العامة وعن ضمان التوازن بين متطلبات الاستثمار وحقوق المواطنين. فالاستثمار الذي يقوم على إضعاف القدرة الشرائية للمجتمع ليس استثماراً منتجاً، والاقتصاد الذي يسمح بتحويل الأزمات إلى فرص للإثراء الفاحش على حساب الشعب ليس اقتصاداً عادلاً.

لقد حاول البعض تصوير المدافعين عن التأميم وتسقيف الأسعار وكأنهم أعداء للاستثمار والتنمية، بينما الحقيقة أن المدافعين عن هذين المقترحين ينحازون إلى نموذج اقتصادي يضع الإنسان قبل الربح، والمصلحة الوطنية قبل مصالح اللوبيات، والسيادة الاقتصادية قبل إملاءات السوق.

إن السؤال الحقيقي الذي يواجه الرأي العام المغربي اليوم ليس لماذا دافعت الكونفدرالية الديمقراطية للشغل عن تأميم “لاسامير” وتسقيف أسعار المحروقات، بل لماذا اختارت أحزاب تدعي الدفاع عن العدالة الاجتماعية الاصطفاف إلى جانب مصالح الاحتكار والرأسمال الريعي ضد مطالب المواطنين؟

فبين من يدافع عن حق الشعب في الطاقة بأسعار عادلة، ومن يدافع عن حق الشركات في تحقيق أرباح استثنائية دون ضوابط، تتحدد المواقف، وتتضح الاصطفافات، ويعرف المغاربة من يقف إلى جانبهم ومن اختار الوقوف في الضفة الأخرى.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.