لماذا يجب التطرق إلى هذا الموضوع وفي هذا الوقت بالضبط؟، فهذا يعود إلى وجود إشكاليات وتناقضات في ميدان الديمقراطية والإنتخابات في المغرب من أهمها:
أولها: هو أنه في ضوء ما يجري تحت شعار الديمقراطية من مآسي وما يحدث عند إستغلال الإنتخابات من مهازل يجد خصوم الديمقراطية الذريعة للقول بأن الديمقراطية غير صالحة من حيث المبدأ أو أن الشعب المغربي غير مؤهلة للديمقراطية.
ثانيها: هو أنه ليس النظام الحاكم وحده من يحاول أن يعطي حكمها شرعية ديمقراطية فهذه اللعبة تلعبها أيضا قوى داخلية هي نفسها لا تؤمن بالديمقراطية كالقوى الإسلامية التي تريد أن تستخدم الإنتخابات للوصول إلى السلطة.
ثالثها: هو أن الإنتخابات كثيرا ما إستغلتها السلطة الحاكمة لإضفاء صبغة ديمقراطية عليها فالإنتخابات في المغرب الغاية منها ليست العمل الديمقراطي لصالح الشعب بل غايتها فعليا إتمام مسرحية مغرضة عبر إعطائها شرعية ديمقراطية كاذبة.
بسبب غياب أي بديل للديمقراطية وللإنتخابات كآلية عملية لتطبيقها إستمرت الإنتخابات قضية محورية في بناء النظام السياسي بالمغرب بما يتوافق ولو نسبيا لتطلعات ورغبات الشعب ومؤشرا على إمكانية الخروج من مربع الدكتاتورية والإستبداد إلى فضاء الديمقراطية، إلا أن الإنتخابات لوحدها لا تؤسَس نظاما ديمقراطيا فقد جرت تجارب إنتخابية بالمغرب منذ الإستقلال ولم تصاحبها ممارسة ديمقراطية ولم تؤدي إلى دمقرطة المجتمع والنظام السياسي بل كانت واجهة مضللة لشرعنة الحكم ونخب سياسية مفروضة على الشعب وأدت أحيانا إلى تأزم النظام السياسي وإثارة الفتنة، وكان كثير من القادة السياسيين يمارسون السلطة بذريعة أنهم يتوفرون على شرعية إنتخابية وكانوا بالفعل يفوزوا بإنتخابات ويحصلوا على أكثر من 90% من الأصوات وتتحول الإنتخابات الموجهة والمُتحكم فيها من طرف فئات مالية نافذة إلى هدف بحد ذاته ويتم تجاهل بقية حلقات ومتطلبات العملية الديمقراطية وتتحول الإنتخابات إلى ملهاة للشعب.
المبدأ في الإنتخابات وفي سياقها الدلالي والتداولي الديمقراطي أن تقوم على مبدأ حق الشعب بإختيار من يحكمه في حالة وجود أكثر من حزب أو شخص أو جماعة تسعى للوصول إلى السلطة ومن هنا إقترن مصطلح الإنتخابات بالديمقراطية التي تعني حكم الشعب أو حكم مُراقب من الشعب وبرضاه، لقد إنفكت العلاقة الحتمية أو التلازم بين الإنتخابات والديمقراطية وفقدت الإنتخابات جاذبيتها في الحياة السياسية لأسباب متعددة منها لعبة الطبقة السياسية المهيمنة والناخبين الكبار وقوة حضور الدولة العميقة التي هي فوق العملية الإنتخابية وأيضا إنشغال الشعب بالأزمة الإقتصادية المحلية والدولية، كل ذلك جعل من المستساغ والمقبول أن يتساءل البعض حول جدوى الإنتخابات عندما لا تؤدي لتجديد الطبقة السياسية أو تسمح بتغول المال السياسي.
فالديمقراطية ليست صندوق إقتراع يضع السلطة في أيدي قلة من أصحاب الثروات ليتحولوا إلى طبقة مالكة حاكمة تحتكر الثروة والسلطة وتمرر مشاريع ضد الديمقراطية فيما يتحول الشعب إلى كتلة من الفقراء المحكومين، الديمقراطية هي منظومة إجتماعية إقتصادية سياسية ثقافية قانونية متكاملة ولا يمكن الفصل بينها وهي ضمان حقوق الإنسان وحماية حرياته وتحقيق العدالة والمساواة وإحترام القانون وسيادة الدولة وكرامة المواطن، وهذه في الوقت نفسه هي مؤشرات للديمقراطية الحقيقية وليس الإنتخابات وإختيار الممثلين وتداول السلطة فهذه إجراءات وعمليات تكون ديمقراطية فقط عندما تجري في بيئة ديمقراطية حقيقية ويمكن أن تكون أيضا آليات ديمقراطية زائفة عندما تجري في أنظمة حكم مستبدة تدّعي الديمقراطية أو في بيئات تستغلها قوى غير ديمقراطية شعبوية للوصول إلى السلطة والتفرد بها كما هو الحال مع الإسلام السياسي في المغرب نموذجا.



















