في كرة القدم، تنتهي المباراة عادة مع صافرة الحكم، لكن في عالمنا العربي تبدأ أحياناً مباراة أخرى أكثر غرابة: مباراة التأويلات النفسية ومحاولات التقليل من الإنجازات.
هذا بالضبط ما حدث بعد المواجهة التي جمعت المنتخب المغربي بنظيره البرازيلي. فبينما تابع العالم مباراة كان فيها أسود الأطلس نداً حقيقياً لأحد أعظم منتخبات التاريخ، وظهروا خلالها أكثر تنظيماً وانضباطاً وقرباً من تحقيق الفوز، انطلقت بعض الأصوات العربية في حملة مألوفة لا هدف لها سوى الانتقاص من قيمة ما قدمه المغرب.
فجأة تحولت البرازيل، في نظر هؤلاء، إلى منتخب عادي لا وزن له. واختفت أسماء النجوم الذين تملأ صورهم أغلفة الصحف العالمية، وتبخرت هيبة القميص الأصفر الذي صنع أساطير اللعبة لعقود طويلة. ليس لأن البرازيل انهارت فعلاً، بل لأن الاعتراف بقوة المغرب أصبح أمراً ثقيلاً على بعض النفوس.
المفارقة المثيرة أن الإعلام البرازيلي نفسه لم يتردد في الإشادة بما قدمه المنتخب المغربي. كما أن المدرب كارلو أنشيلوتي أقر بصعوبة المواجهة وبالمشاكل التي واجهها فريقه أمام الضغط المغربي والتنظيم التكتيكي العالي. أما داخل البرازيل، فقد ساد شعور واضح بأن المنتخب نجا من اختبار بالغ التعقيد، وأن لحظات الحسم الفردية كانت كفيلة فقط بمنع سيناريو أكثر إيلاماً.
لكن بعض المحللين والمؤثرين عندنا اختاروا طريقاً آخر. فبدل الإشادة بما قدمه المغرب، انشغلوا بإقناع الجمهور بأن البرازيل لم تعد البرازيل، وأن التعادل أو حتى التفوق أمامها لم يعد حدثاً يستحق التوقف عنده. وكأن المنتخب المغربي مطالب في كل مرة لا بإثبات قوته، بل بإثبات أن خصومه ما زالوا أقوياء حتى يسمح له الآخرون بالاحتفال بإنجازه.
إنها عقلية قديمة ترفض الاعتراف بأن موازين الكرة العالمية تغيرت، وأن المغرب لم يعد ذلك المنتخب الذي يبحث عن شهادة حسن سلوك من الآخرين. فمنذ سنوات، وبالأخص منذ الملحمة المونديالية، أصبح المنتخب المغربي رقماً صعباً في المعادلة الدولية، يفرض احترامه داخل الملعب لا عبر الخطب والشعارات.
ما يزعج البعض ليس نتيجة مباراة واحدة، بل حقيقة أكبر وأعمق: المغرب لم يعد ضيفاً عابراً على موائد الكبار، بل أصبح يجلس معهم على الطاولة نفسها. لذلك تتكرر محاولات التقليل كلما تألق، ويتجدد البحث عن أعذار كلما فرض شخصيته أمام مدرسة كروية عريقة.
والحقيقة أن الاعتراف بقوة المنافس لا ينتقص من أحد، كما أن الإشادة بالمغرب لا تعني إعلان نهاية البرازيل. أما تحويل كل نجاح مغربي إلى مناسبة للتشكيك والتقليل، فليس تحليلاً رياضياً بقدر ما هو انعكاس لأزمة نفسية مزمنة ما زالت عاجزة عن استيعاب أن أسود الأطلس أصبحوا بالفعل من كبار اللعبة.
لقد تجاوز قطار المغرب منذ زمن محطة البحث عن الاعتراف. اليوم يتحدث الميدان نيابة عنه، وتتكفل النتائج بإسكات المشككين. أما الذين ما زالوا يصرون على إنكار ما تراه أعين العالم بأسره، فمشكلتهم ليست مع المنتخب المغربي، بل مع حقيقة باتت أكثر وضوحاً من أن تُخفى: المغرب أصبح قوة كروية يحسب لها الجميع ألف حساب.



















