عودة إلى كشك سطات… الكشك قد يرحل والأسئلة ستظل عالقة!!

منذ 3 ساعات
عودة إلى كشك سطات… الكشك قد يرحل والأسئلة ستظل عالقة!!
كلاش بريس / فتح الله حافظي

قد يُزال الكشك من مكانه، وقد يُرحّل إلى جهة أخرى من المدينة، وقد يُطوى الملف في الظاهر كما طُويت ملفات سابقة. لكن ما لن يختفي هو الأسئلة التي فجرها هذا الاستغلال منذ لحظة ظهوره، لأن القضية لم تكن يوماً في ستة أمتار مربعة فقط، بل في طبيعة القرار الذي منحها وفي طريقة تدبير الملك العمومي نفسها.
فالثابت أن الرخصة الممنوحة حددت المساحة في ستة أمتار مربعة، لكنها لم تحدد طبيعة الاستغلال الذي من أجله مُنح الترخيص. وهنا يبدأ جوهر الإشكال. إذ كيف يمكن لقرار إداري يتعلق بالاحتلال المؤقت للملك العمومي أن يضبط المساحة بدقة، ويترك الغاية من الاستغلال في منطقة رمادية؟ وكيف يمكن مراقبة احترام رخصة لا تقول بوضوح ماذا يُسمح به فوق تلك المساحة؟
فالمنطق الإداري السليم يقتضي أن تكون طبيعة النشاط هي لبّ الرخصة وروحها، لأنها التي تحدد حدود الاستغلال وشروطه وآثاره على الملك العمومي. أما الاكتفاء بتحديد المساحة دون تحديد الغرض، فيحوّل القرار من أداة ضبط إلى وثيقة قابلة لتأويلات متعددة، ويضعف جوهر الرقابة والمتابعة.
والحال أن المشرع يميز بوضوح بين الاحتلال المؤقت للملك العمومي دون بناء، والذي يدخل ضمن اختصاص رئيسة المجلس الجماعي ويصدر في شكل قرار إداري واضح ومحدد وغير قابل للالتباس، وبين الاحتلال المصحوب ببناء، والذي يخضع لمساطر أكثر تعقيداً، تبدأ بطلب يحدد طبيعة المشروع، ثم عرضه على لجنة مختصة تستشير الإدارات المعنية، قبل إحالته على المجلس الجماعي للتداول واتخاذ مقرر في الموضوع، ثم استكمال مسطرة التأشير من طرف سلطة الوصاية. وبين هذين الإطارين القانونيين تتحدد ليس فقط الجهة المختصة، بل طبيعة القرار وحدود المشروعية.
غير أن الإشكال في هذا الملف أن الرخصة لم تحسم في طبيعة الاستغلال، وكأنها تركت الباب مفتوحاً بين مسارين قانونيين مختلفين، بينما الواقع على الأرض حسم في اتجاه واحد، دون أن يكون ذلك مستنداً إلى وضوح مماثل في الوثيقة الإدارية نفسها.
ومن هنا تتضاعف الأسئلة: كيف يمكن التمييز بين استغلال دون بناء واستغلال ببناء إذا كانت الرخصة لا تقول شيئاً عن طبيعة ما سيُنجز فوق المساحة المرخص بها؟ وكيف يمكن مراقبة احترام القانون إذا كان الإطار المرجعي نفسه ناقصاً في عنصر جوهري؟
ثم إن المشرع لم يربط مفهوم البناء بنوعية المادة المستعملة، سواء كانت إسمنتاً أو خشباً أو قصديراً أو غيرها، بل ربطه بوجود بناء أو منشأة من عدمه، ما يجعل النقاش الحقيقي مرتبطاً بالفعل المنجز فوق الملك العمومي، لا بالمواد التي شُيّد بها.
وفي هذا السياق، يبرز دور السلطة المحلية باعتبارها جزءاً أساسياً من منظومة تطبيق القانون، فهي مطالبة ليس فقط بالمراقبة الشكلية، بل بالسهر الفعلي على احترام الرخص الممنوحة في حدودها الدقيقة، ومنع أي انزياح قد يحول الاستغلال المؤقت إلى واقع دائم أو غير مضبوط. فبين استغلال بدون بناء واستغلال ببناء، مسافة قانونية دقيقة لا تحتمل الغموض، وأي ارتباك فيها يفتح الباب أمام الشبهات ويضعف الثقة في تدبير الملك العمومي.
والأخطر أن هذا الغموض لا يبقى في النصوص، بل ينتقل إلى الواقع، حيث يصبح من الصعب على المواطن التمييز بين ما هو مرخص به وما هو متجاوز له، فيغدو الفضاء العمومي نفسه مجالاً للاجتهاد بدل أن يكون مجالاً للقانون.
لذلك فإن الرأي العام لا ينتظر فقط معرفة مصير الكشك، ولا يهمه كثيراً إن رُحل أو أُزيل، بقدر ما ينتظر جواباً واضحاً عن سؤال أعمق: كيف صيغت هذه الرخصة منذ البداية؟ ولماذا حُددت المساحة بدقة بينما تُركت طبيعة الاستغلال دون تحديد؟ وهل نحن أمام خطأ إداري معزول، أم أمام نمط تدبير يسمح بترك الغموض قائماً في قضايا يفترض أن تكون في غاية الوضوح؟
**فالكشك قد يرحل… لكن الأسئلة ستظل عالقة، لأن جوهر القضية لم يكن حجراً أُقيم فوق الملك العمومي، بل قراراً إدارياً لم يُحكم ضبط حدوده، وترك خلفه منطقة رمادية تتسع كلما ابتعدنا عن النص واقتربنا من الواقع. وفي مثل هذه الحالات، لا تكون الإزالة حلاً نهائياً، بل مجرد بداية لسؤال أكبر: كيف نضمن ألا يتكرر الغموض نفسه في مكان آخر وبشكل آخر وربما بتبريرات أخرى؟تساؤل آخر يبدو ملحا في هذا السياق مفاده كيف ستتعامل السيدة الرئيسة مع طلبات مماثلة من بنات وأبناء المدينة ، هل ستلتزم بمبدأ المساواة بين الجميع ام أنها ستتعامل حسب “رأس الزبون la tête du client” ودرجة القرب منها أو من أحد الأعضاء؟؟

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.