كشك صغير… وأسئلة كبيرة عن تدبير المجال العام بسطات

9 يونيو 2026
كشك صغير… وأسئلة كبيرة عن تدبير المجال العام بسطات
كلاش بريس / فتح الله حافظي

لا يحتاج المواطن إلى كثير من التدقيق كي يلاحظ أن المشهد العمراني في عدد من المدن المغربية أصبح يخضع أحياناً لمنطق الأمر الواقع أكثر مما يخضع لمنطق القانون والتخطيط. فبين ليلة وضحاها يظهر كشك هنا، أو بناء مؤقت هناك، ثم يتحول مع مرور الأيام إلى جزء من المشهد العام، وكأن وجوده أمر طبيعي لا يستدعي أي سؤال.

والصورة الملتقطة بجوار مضمار الخيل بسطات تطرح بدورها أسئلة مشروعة لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها حكماً مسبقاً على أي جهة، بل باعتبارها حقاً من حقوق الرأي العام في معرفة كيفية تدبير المجال العمومي. فمن رخص لهذا الكشك؟ وعلى أي أساس قانوني؟ وهل تمت مراعاة الجوانب الجمالية والعمرانية للمنطقة؟ أم أن الأمر مجرد احتلال لموقع استراتيجي فرض نفسه بفعل الزمن والصمت الإداري؟

إن أول ما يلفت الانتباه في هذا الكشك ليس حجمه، بل حجم التشويه الذي ألحقه بالمشهد العام. فهو يقف في مكان بارز ككتلة نشاز، لا تربطها أي علاقة جمالية أو وظيفية بالمحيط الذي وضعت فيه. ومن الصعب الحديث عن تأهيل حضري أو جاذبية عمرانية في الوقت الذي يسمح فيه لمثل هذه المنشآت بأن تحتل مواقع حساسة وتحوّل واجهات المدينة إلى فضاءات للفوضى البصرية. فاحترام المدينة يبدأ من احترام صورتها، واحترام صورتها يبدأ من منع كل ما يسيء إلى جماليتها وهيبتها.

المثير في مثل هذه الحالات ليس وجود الكشك في حد ذاته، بل غياب المعلومة. فحين تغيب الشفافية، تفسح المجال للإشاعات والتأويلات. وحين لا تبادر الجهات المعنية إلى توضيح الأمور، يصبح كل مواطن مضطراً لطرح الأسئلة التي كان يفترض أن تجد أجوبتها بشكل تلقائي
.
إن احترام القانون لا يقاس فقط بإزالة المخالفات الكبرى، بل يبدأ من التفاصيل الصغيرة التي تشكل صورة المدينة وهيبتها. لذلك فإن المطلوب اليوم ليس إصدار الأحكام، بل الكشف عن الحقيقة: هل الكشك قانوني أم لا؟ وهل حصل على التراخيص اللازمة؟ وإذا كان مخالفاً، فما الذي يمنع السلطات من التدخل؟ وإذا كان قانونياً، فكيف جرى السماح بإقامته في موقع يسيء إلى المشهد البصري العام ويطرح كل هذه التساؤلات؟

وفي هذا السياق، تبدو السيدة رئيسة المجلس الجماعي مطالبة أكثر من غيرها بتقديم التوضيحات اللازمة للرأي العام، خاصة في ظرفية سياسية وانتخابية تتزايد فيها مطالب الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة. فإذا كان الترخيص قد صدر عن مصالح الجماعة أو تم بموافقتها، فمن حق المواطنين معرفة الأسس القانونية والعمرانية التي بُني عليها هذا القرار، وكيف تم التوفيق بينه وبين متطلبات الحفاظ على جمالية الفضاء العام. أما إذا كانت الجماعة غير معنية بهذا الترخيص، فإن توضيح ذلك للرأي العام يظل واجباً لتبديد اللبس ووضع الأمور في نصابها. فالصمت في مثل هذه القضايا لا يخدم المؤسسات، بل يفتح الباب أمام التأويلات والتساؤلات التي كان يمكن حسمها بتواصل واضح ومسؤول.

ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل ستتحرك السلطات المحلية والجماعة والجهات المعنية لفتح هذا الملف والكشف عن حقيقة الوضعية القانونية لهذا الكشك؟ وهل سيتم، في حال ثبوت المخالفة، اتخاذ الإجراءات اللازمة لإزالته وإرجاع المكان إلى حالته الأصلية بما يحفظ جمالية الموقع وهيبة القانون؟ أم أن الأمر سينضم إلى لائحة الملفات التي يطويها الصمت الإداري إلى أن تصبح المخالفة أمراً واقعاً؟

إن احترام القانون لا يكتمل إلا بتطبيقه على الجميع، كما أن حماية المشهد الحضري للمدينة ليست ترفاً جمالياً، بل جزء من حق المواطنين في فضاء عام منظم ومتناغم يليق بصورة سطات وتاريخها. فالمدينة التي تسعى إلى تحسين جاذبيتها واستقطاب الاستثمار لا يمكن أن تتسامح مع كل ما يشوه فضاءاتها العامة أو يكرس منطق الاستثناء. وفي زمن تشتد فيه المنافسة على ثقة المواطنين، تصبح الشفافية والوضوح في تدبير الشأن المحلي ضرورة سياسية وأخلاقية قبل أن تكون مجرد التزام قانوني.

وفي انتظار جواب واضح من الجهات المختصة، سيظل هذا الكشك الصغير عنواناً لسؤال أكبر: من يحمي جمالية المدينة؟ ومن يسهر على احترام القانون فيها؟ ومن يملك الشجاعة لتقديم التوضيحات التي يستحقها المواطنون؟

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.