شكيب محمد – مستشار عقاري واطار بنكي سابق
وسط دينامية العقار المغربية، تبرز حالة خاصة في خريبكة، حيث تبقى أسعار العقار مرتفعة نسبياً رغم وفرة العرض وضعف الطلب الحقيقي. من المنطق الاقتصادي أن يؤدي فائض العرض إلى انخفاض الأسعار، لكن الواقع في خريبكة يروّض هذه القاعدة.
سوق محلي هش وأرقام تبرر الاستقرار النسبي للأسعار
تشير البيانات العقارية المتوفرة في المواقع المرجعية إلى أن متوسط سعر المتر المربع في خريبكة يقارب 5000 درهم في العديد من المناطق المركزية والخارجية، وهو أدنى بكثير من المدن الكبرى مثل الدار البيضاء أو الرباط، لكنه لا ينخفض بشكل حاد بالرغم من تناقص الطلب الفعلي.
بالمقابل، يشير مؤشر أسعار الأصول العقارية على المستوى الوطني إلى ارتفاع طفيف بلغ حوالي 1.2٪ في 2025 مقارنة بالعام الماضي، مما يدل على أن السوق الوطنية لا تزال تعيش دينامية عامة، لكن تأثيرها مختلف حسب المواقع.
* *المكتب الشريف للفوسفاط اللاعب غير المباشر في* السوق العقاري المحلي:
السبب الأبرز وراء هذا التوازن غير المتوقع يعود إلى علاقة السوق بـالمكتب الشريف للفوسفاط. فقد أصبحت المؤسسة ليست فقط أكبر مُشغّل اقتصادي في المدينة، بل منافسا قويا للمنعشين العقاريين.
فالمؤسسة قامت ببناء وتجهيز وحدات سكنية لفائدة موظفيها، وهي فئة كانت تشكل سابقا الطلب الرئيسي على العقار المحلي. هذا التحول قلص الطلب الحر، ما دفع المنعشين إلى تراجع رقم معاملاتهم و الاحتفاظ بالعقارات المعروضة وعدم التراجع في الأسعار، خشية خسارة قيمة رؤوس أموالهم.
* العرض يفوق الطلب والأسعار لا تنهار
في ظل وفرة العرض وغياب طلب قوي: حجم البيع الفعلي يتباطأ و
الأسعار تظل ثابتة أو تنخفض تدريجياً فقط.
المنازل تنتظر مشترياً، لكن ليس بالضرورة خاسراً كبيراً.
الأمر يشبه سوقاً بها بائعون متفائلون ومشترون متحفظون، مما يخلق حالة من الركود النسبي دون انهيار سعري حاد وملموس.
هذه التحولات تحتاجُ رؤية أوسع وتفسير هذه الظاهرة لا يكمن فقط في أرقام الأسعار، بل في هيكل الطلب نفسه. فالطلب المحلي في خريبكة لا يرتفع بسبب:
1ـ قلة الاستثمارات الخارجية مقارنة بمدن كبرى.
2ـ إشباع جزء كبير من الطلب عبر برامج السكن المؤسسية، وأخص هنا المكتب الشريف للفوسفاط لفائدة موظفيه.
3ـ ضعف المشاريع الاقتصادية البديلة التي تخلق حركة سكنية جديدة.
خلاصة
خريبكة اليوم ليست سوقاً في أزمة، لكنها أيضاً ليست في حالة نمو حقيقي. الأسعار لا تنخفض رغم ضعف الطلب، لأن السوق يعتمد على طلب محلي ثابت ولكنه محدود، وعلى توقعات مستقبلية أكثر من معطيات حقيقية.
الحل الحقيقي لانتعاش السوق يكمن في تنويع القاعدة الاقتصادية للمدينة، وخلق طلب جديد يتجاوز الطلب التقليدي، حتى يتحول الركود النسبي إلى دينامية استثمارية حقيقية.
في العقار، لا يكفي أن تعرف الأسعار بل يجب أن تفهم من يقف وراء الطلب، ولماذا يقف عند هذا المستوى.


















