لطالما شكّل وصول “أولاد الشعب” إلى المناصب الحكومية السامية في المغرب سابقة نادرة الخروج عن القاعدة، في ظل عقود طويلة من هيمنة نخب ولدت وفي أفواهها ملاعق من ذهب وتنحدر من عائلات ميسورة وأوساط ثرية. غير أن الخريطة السوسيولوجية والسياسية للبلاد شهدت تحولاً لافتاً منذ تسعينيات القرن الماضي، وتحديداً مع إرهاصات تجربة التناوب التوافقي، حيث فُتحت الأبواب تدريجياً أمام طاقات عصامية قادمة من المداشر والقرى والأحياء الهامشية، لتجد لنفسها موطئ قدم داخل الحكومات المتعاقبة بعد أن بدأت مسارها من نقطة الصفر.
وفي الوقت الذي ظل فيه “المصعد الاجتماعي” معطلاً أو متجهاً نحو الأسفل للأغلبية، نجح هؤلاء المسؤولون في اختراق الهرم الطبقي، لينقسموا بعد “هطول أمطار النعمة” إلى تيارين؛ تيار غيّر نمط حياته رأساً على عقب متبنياً حياة مخملية جديدة، وتيار آخر قاوم بريق السلطة وحافظ على جوهر عيشه وبساطته وظل مرتبطاً بأصوله الشعبية.
في هذا المقال نتحدث عن عبد الرحيم بوعبيد، الذي يُعد واحدا من أبرز رجالات الحركة الوطنية بالمغرب، حيث انتقل من أسرة مغربية متوسطة إلى تحمل مسؤوليات حكومية وسياسية بارزة، مساهما في عدد من المحطات المهمة بتاريخ المغرب الحديث. :
يُعد عبد الرحيم بوعبيد واحدا من أبرز الأسماء التي طبعت تاريخ الحركة الوطنية والحياة السياسية بالمغرب خلال مرحلة ما بعد الاستقلال، حيث ارتبط اسمه بعدد من المحطات الكبرى التي ساهمت في تشكيل ملامح الدولة المغربية الحديثة.
نشأ عبد الرحيم بوعبيد وسط أسرة مغربية متوسطة، وبرز منذ شبابه المبكر كأحد الوجوه الوطنية المهتمة بقضايا التحرر والاستقلال. وكان من بين أصغر الموقعين على وثيقة المطالبة بالاستقلال بتاريخ 11 يناير 1944، وهو الحدث الذي شكل نقطة تحول بارزة في مسار الكفاح الوطني المغربي.
ومع بزوغ فجر الاستقلال، التحق بوعبيد بأولى التجارب الحكومية المغربية، حيث عينه الملك محمد الخامس سنة 1955 وزير دولة ونائبا لرئيس الحكومة مبارك البكاي الهبيل. وبعدها تولى مسؤولية وزارة الاقتصاد الوطني، قبل أن يتقلد مهام نائب رئيس الحكومة ووزير الاقتصاد والفلاحة في حكومة أحمد بلافريج.
وفي مرحلة لاحقة، شارك ضمن حكومة عبد الله إبراهيم، حيث تولى منصب نائب رئيس الحكومة ووزير الاقتصاد الوطني والمالية، وهي الفترة التي ارتبطت بوضع أسس عدد من المشاريع الاقتصادية والمؤسساتية الرامية إلى تقوية الاقتصاد الوطني وتعزيز استقلالية القرار الاقتصادي المغربي.
وعرف عن عبد الرحيم بوعبيد حضوره البارز في النقاشات السياسية والفكرية التي عرفها المغرب خلال العقود الأولى بعد الاستقلال، كما ظل اسمه مرتبطا بالعمل الحزبي والنقابي وبالدفاع عن المشاركة السياسية والحياة الديمقراطية.
وفي سنة 1983، عاد بوعبيد للمشاركة في الحكومة ضمن الفريق الذي قاده محمد كريم العمراني، في سياق سياسي ارتبط بالتحضير للاستحقاقات الانتخابية التي عرفتها البلاد خلال تلك المرحلة.
ومن المحطات التي استأثرت باهتمام المتابعين، ترشحه للانتخابات التشريعية بمدينة أكادير سنة 1977، بعدما اختار خوض المنافسة في دائرة انتخابية اعتُبرت آنذاك ذات رمزية سياسية خاصة. ورغم التوقعات التي كانت ترجح فوزه، جاءت النتائج النهائية مخالفة لما كان منتظرا، وهو ما فتح نقاشا واسعا داخل الأوساط السياسية والحزبية في تلك الفترة.
وظل عبد الرحيم بوعبيد، إلى جانب مساره السياسي، شخصية تحظى باحترام واسع داخل المشهد الوطني، سواء بين رفاقه أو خصومه، بالنظر إلى أسلوبه الهادئ وحضوره القوي في مختلف المحطات السياسية التي عرفها المغرب الحديث.


















