لقجع والمحروقات.. الحكومة تحصّن ميزانيتها وتترك جيوب المغاربة لمصير السوق

منذ ساعة واحدة
لقجع والمحروقات.. الحكومة تحصّن ميزانيتها وتترك جيوب المغاربة لمصير السوق

فتح الله حافظي

حين يصبح تعديل ميزانية الدولة خطا أحمر، وتتحول القدرة الشرائية للمغاربة إلى تفصيل موجب للتضحية، نكون أمام اختلال واضح في أولويات الحكومة. فبالرجوع الى التصريح الاخير لوزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية، السيد فوزي لقجع، يبدو بأن الحكومة لن تسقّف أسعار المحروقات «أبدا». وبالتالي، فبدل أن يقدم جوابا عن نزيف الأسعار، اختار إغلاق باب التدخل قصد ضبط وثيرة التضخم الجامح، وكأن المواطن وحده مطالب بتحمل تقلبات السوق وتبعات الغلاء.

يستند السيد الوزير في هذا الإطار إلى اعتبار أن العودة إلى نظام المقاصة قد تكلف ما بين 50 و70 مليار درهم، ويضع هذا المبلغ في مواجهة تمويل المستشفيات والمدارس والخدمات العمومية. لكن إذا كانت كلفة التدخل مرتفعة، فماذا عن كلفة عدم التدخل؟ ألا تنعكس الزيادات في اسعار المحروقات بشكل مباشر على كلفة النقل والإنتاج، ومن ثم على مستوى أسعار المواد الأساسية، الامر الذي يزيد في اثقال أعباء الأسر واستنزاف قدرتها الشرائية؟

لا أحد يطالب بعدم الاخذ بعين الاعتبار اكراهات التوازنات المالية أو بالعودة الآلية إلى نظام المقاصة، لكن لا يجوز استعمال كلفتها كذريعة لإعفاء الدولة من مسؤولياتها الاجتماعية. فحرية الأسعار لا تعني حرية ترك السوق دون رقابة، ولا تعفي الحكومة من ضمان المنافسة والشفافية ومراقبة هوامش التوزيع، والتأكد من أن انخفاض الأسعار الدولية ينعكس بدوره على وضعية المستهلك المغربي.

والأهم أن تصريح السيد الوزير لا يثير نقاشا اقتصاديا فحسب، بل يفتح ملف المساءلة السياسية. فأحزاب الأغلبية لم تدخل الانتخابات دون التزامات في هذا المجال، اذ طرح حزب التقدم والاشتراكية مسألة التسقيف المؤقت للأسعار عند الارتفاعات الكبيرة، وحزب الأصالة والمعاصرة دعا إلى فرض ضريبة على الأرباح المرتفعة المحققة مو طرف شركات المحروقات والى ضبط هوامش ارباحها، فيما التزم حزب الاستقلال بمراقبة الأسعار وتسقيف أرباح التسويق.

فأين اختفت هذه الالتزامات؟ وما الذي نُفذ منها، وما الذي جرى التخلي عنه؟ وعليه، لا يكفي أن تتحول الوعود إلى شعارات انتخابية، ثم تختفي بمجرد الوصول إلى الحكومة. فالبرنامج الانتخابي تعاقد سياسي، والانتماء إلى الأغلبية لا ينبغي أن يكون مبررا للتراجع عنه أو التنصل من مقتضياته.

ويزداد هذا النقاش إلحاحا أمام استمرار تعثر ملف مصفاة سامير، بما يمثله من رهان على السيادة الطاقية وتقليص الارتهان للاستيراد وتقلبات الأسواق الخارجية. فالأمن الطاقي لا يتحقق بالاستيراد وحده، بل ببناء قدرات وطنية للتكرير والتخزين.

إن جوهر المسألة ليس الاختيار بين المقاصة وتمويل المستشفيات والمدارس، بل البحث عن سياسة طاقية واجتماعية تحمي المالية العمومية دون التضحية بالقدرة الشرائية. فلا معنى لتوازنات مالية تتحقق فيما تختل توازنات الأسر، ولا قيمة لوعود انتخابية لا تصمد أمام أول اختبار حكومي.

إذا كانت الحكومة تطالب المغاربة بتحمل كلفة اختياراتها، فمن حقهم أن يطالبوها بكشف الحساب: ماذا وعدتم؟ ماذا نفذتم؟ ولماذا تراجعتم؟ فالمواطن ليس مجرد ممول لعجز الميزانية، ولا يجوز أن يكون الحلقة الأضعف في معادلة السوق والتوازنات المالية.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.