سلا… المدينة المليونية وسؤال الحكامة

منذ ساعتين
سلا… المدينة المليونية وسؤال الحكامة

كلاش بريس / ليلى بهلولي

​تصدرت مدينة سلا واجهة التحولات الديمغرافية والمجالية بالمغرب، بعدما رسمت خلال ستة عقود واحدة من أكثر قصص التوسع الحضري تسارعًا في المملكة. فقد قفز عدد سكانها من مدينة صغيرة لا تتجاوز 77 ألف نسمة سنة 1960، إلى قطب مليونية يتعدى 1.09 مليون نسمة، وفق المعطيات الرسمية للإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024.

وقد جعلها هذا النمو الهائل المدينة الأكثر كثافة سكانية في جهة الرباط – سلا – القنيطرة، متجاوزة العاصمة الرباط نفسها، في حين ناهزت ساكنة عمالة سلا بما فيها الجماعات الترابية لسيدي بوقنادل وعامر والسهول نحو 1.08 مليون نسمة، وهو ما يعكس امتداد العمران الكثيف على حساب الأراضي الفلاحية والهوامش القروية المحيطة بالمدينة. ف​هل هذا النسيج السكاني متكامل مع المرافق الاجتماعية أم إنه نسيج حضري معزول؟

​لم يواكب هذا التدفق السكاني المتسارع نسق عمراني منسجم يضم مرافق اجتماعية وترفيهية مدروسة؛ كدور الشباب، والمساحات الخضراء، وملاعب القرب، والأسواق النموذجية، والمدارس العمومية. ورغم صعود مشاريع وأقطاب استثمارية كبرى مثل “باب البحر”، و”جوهرة البحر” و”نسيم البحر” وحليمة و”سلا الجديدة”، وعدد من المجمعات السكنية الحديثة، إلا أنها برزت في كثير من الأحيان كمجمعات تفتقر للمرافق الاجتماعية الحيوية، وتعيش حالة من العزلة الحضرية كـ”جزر منفصلة” لا تندمج بشكل سلس مع النسيج التاريخي للمدينة العتيقة.

وتزداد هذه الاختلالات حدة في جانب التجهيزات؛ إذ تعاني سلا من نقص حاد في فضاءات التنشئة الاجتماعية والترفيه، وحين تتوفر هذه المرافق، فإنها تأتي غالبًا على شكل بنايات متفرقة تفتقر إلى التكامل مع محيطها السكني. وقد أدت هذه الازدواجية إلى تفاوت صارخ في توزيع الخدمات الأساسية، ليجد السكان أنفسهم أمام تجربة يومية مثقلة بالاكتظاظ المروري، والضغط المستمر على قطاعات الصحة والتعليم والنقل، وسط غياب شبه تام لقطاعات الخدمات والترفيه.

​أين تكمن الاختلالات الإدارية التي تعرقل الحكامة الترابية؟

​لا تقتصر الحكامة الترابية على صياغة وثائق التعمير وتوفير السكن الاقتصادي، بل تضع المؤسسات أمام امتحان حقيقي للتنسيق والضبط الميداني. وتتجلى أزمة التدبير الحالية في غياب الانسجام بين المتدخلين المتعددين من جماعات ترابية، ووكالات حضرية، وسلطات محلية، وهو ما يفتح الباب أمام الفوضى العمرانية والتراجع عن الالتزام الصارم بالنصوص القانونية المؤطرة للمجال. ويستوجب الخروج من هذا المأزق وضع رؤية شمولية تهدف إلى إعادة ربط الأحياء والمشاريع السكنية الحديثة بالمدينة الأم، بالتوازي مع توفير التجهيزات الاجتماعية والمساحات الخضراء بما يتناسب مع الكثافة السكانية الآخذة في الارتفاع.

​من يتحمل المسؤولية المؤسساتية عن حماية التوازن الحضري؟

​ينص القانون رقم 12.90 المتعلق بالتعمير والقانون رقم 25.90 المتعلق بالتجزئات العقارية والمجموعات السكنية المدعم بالتعديلات القانونية الحديثة على ضوابط ملزمة تعطي لتصاميم التهيئة حجيتها في تحديد مواقع المرافق العمومية والمساحات الخضراء والشبكات الطرقية. وتتوزع المسؤوليات التنفيذية والرقابية بين الوكالة الحضرية المكلفة بإعداد وثائق التعمير ودراسة المشاريع تقنيًا وقانونيًا، والجماعة الترابية المختصة بتسليم رخص البناء والتجزئة وفق التصاميم والآراء الملزمة، والسلطة المحلية تحت إشراف عامل العمالة للتنفيذ الميداني للقانون وزجر المخالفات، وصولاً إلى اللجان التقنية المختصة التي تتحمل مسؤولية جماعية في التثبت من مدى احترام المشاريع الاستثمارية للضوابط القانونية قبل الترخيص لها، ضمانًا لاستثمار عقاري يصون حق المواطن في بيئة سليمة وكريمة.

​لا يكمن الرهان اليوم في معاندة النمو الديمغرافي لمدينة سلا باعتبارها وجهة سكنية جاذبة وأقل كلفة مقارنة بالعاصمة، بل في إرساء حكامة ترابية استباقية تحول هذه الكتلة السكانية إلى رافعة للتنمية. ويتطلب ذلك إطلاق افتحاص شامل للمشاريع السكنية الكبرى للتحقق من مدى التزامها الميداني بالمتطلبات البيئية والتجهيزية، وترتيب المسؤوليات في حالة وجود اختلالات. إن حماية النسيج الحضري والتاريخي لمدينة سلا واجب وطني يستوجب جعل القانون فوق كل اعتبار تنموي أو عقاري؛ فالمدن لا تبنى بالعقارات الخالية من المرافق الحيوية.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.