الناجي يفكك «البام»: حزب بلا جذور.. وُلد على الورق ولم يتجذر في المجتمع

12 سبتمبر 2026
الناجي يفكك «البام»: حزب بلا جذور.. وُلد على الورق ولم يتجذر في المجتمع

وضع الكاتب والباحث الاجتماعي محمد الناجي تجربة حزب الأصالة والمعاصرة تحت مجهر نقدي، مستعيناً بصورة رمزية لافتة حين شبّه الحزب بـ«نبتة صحراوية بلا جذور»، معتبراً أن الإشكال في تجربته لا يرتبط فقط بعلاقته بالسلطة، وإنما يعود أساساً إلى الطريقة التي ولد بها، وإلى عدم تمكنه من بناء امتداد اجتماعي وتنظيمي طبيعي داخل المجتمع.

وفي تدوينة نشرها على صفحته الرسمية بموقع فيسبوك، استحضر الناجي صورة نبتة قادرة على النمو في البيئة الصحراوية وهي متعلقة بأشجار أخرى، مستفيدة من الرطوبة والظروف المحيطة بها، ليجعل منها استعارة لفهم نشأة حزب الأصالة والمعاصرة. وبحسب قراءته، فإن الحزب لم يمر بالمسار التقليدي الذي تحتاجه التنظيمات السياسية حتى تنغرس في المجتمع، إذ لم يُمنح الوقت الكافي لحرث «التربة» وبذر الأفكار وانتظار تحولها إلى تنظيم وقاعدة انتخابية وسياسية.

ويرى الباحث أن استعجال الانتقال من الفكرة إلى التنظيم السياسي حرم المشروع من مرحلة كان يفترض أن تتشكل خلالها قاعدة اجتماعية وفكرية قادرة على منحه الاستمرارية والاستقلال. وحتى شعار الجرار الذي اختاره الحزب، يقول الناجي، يمكن قراءته رمزياً في سياق هذه النشأة، وكأنه تعبير عن مشروع جاء إلى الساحة بعد أن يكون «موسم الحرث» قد فات.

ولا يقف نقد الناجي عند الشكل التنظيمي، بل يمتد إلى النتائج السياسية التي ترتبت عن هذه الطريقة في التأسيس. فهو يرى أن الحزب لم يتمكن من استثمار التحولات التي عرفها المغرب خلال مرحلة الربيع العربي، في الوقت الذي كان فيه الإسلاميون أكثر استعداداً للاستفادة من نتائج تلك المرحلة، مستندين إلى سنوات طويلة من العمل التنظيمي والتواصل مع المجتمع وبناء القواعد.

ويضع الناجي، في صلب تحليله، مسألة «الجذور الاجتماعية» للأحزاب. فبالنسبة إليه، لا يكفي تقديم أفكار أو أسماء وشخصيات إلى المجتمع من أجل بناء حزب قادر على الاستمرار، لأن التنظيم السياسي، في الأصل، يفترض أن يتشكل تدريجياً من داخل المجتمع، وأن يرتبط بانشغالات فئات اجتماعية ومصالحها وتطلعاتها.

ومن هذا المنطلق، يعتبر أن الأصالة والمعاصرة لم ينشأ بالطريقة التي تنشأ بها الأحزاب المتجذرة في محيطها، بل جاء، وفق تعبيره، «على الورق»، في محاولة لاختصار الزمن الذي تحتاجه العملية السياسية والاجتماعية لبناء تنظيم قادر على مواجهة خصم سياسي كان قد قطع أشواطاً طويلة في بناء حضوره داخل المجتمع.

ويرفض الناجي في الوقت نفسه اختزال قصة الحزب في عبارة «حزب الإدارة»، معتبراً أن هذا الوصف، رغم حضوره القوي في النقاش السياسي المغربي، لا يقدم وحده تفسيراً كافياً لمساره. فالأحزاب، بحسب قراءته، ترتبط بدرجات مختلفة بفئات ومصالح اجتماعية، ولذلك فإن فهم تجربة «البام» يقتضي العودة إلى ظروف ولادته، والأهداف التي حملها، والطريقة التي حاول من خلالها تحقيق تلك الأهداف.

ويقر الباحث بأن الفكرة التي انطلقت منها التجربة لم تكن، في حد ذاتها، غير مشروعة، خصوصاً أن المشروع كان يستهدف مواجهة التوسع المتنامي للتيار الإسلامي داخل المجتمع المغربي. لكن المشكلة، في تقديره، أن هذه الفكرة لم تتحول إلى مشروع فكري وسياسي متكامل، وظلت أقرب إلى شعار سياسي لم يتمكن من الصمود طويلاً أمام تعقيدات الواقع.

كما يوجه الناجي نقداً إلى تجربة «حركة لكل الديمقراطيين»، التي كانت الإطار الأول لبلورة المشروع قبل الانتقال إلى تأسيس حزب الأصالة والمعاصرة، معتبراً أن المرحلة التحضيرية لم تنتج ما يكفي من النقاش الفكري والتأطير السياسي لبناء مشروع حزبي متماسك. ويرى أن الانتقال السريع إلى تأسيس الحزب اختصر زمناً كان يفترض أن يُستثمر في إنتاج الأفكار وبناء التنظيم وتوسيع قاعدة المنخرطين.

وتكتسب هذه القراءة أهمية خاصة بالنظر إلى العلاقة السابقة التي جمعت الناجي بدائرة فؤاد عالي الهمة، صاحب المبادرة التي أطلقت «حركة لكل الديمقراطيين» سنة 2007، قبل تأسيس حزب الأصالة والمعاصرة سنة 2008. وقد سبق أن تناولت مصادر صحفية علاقة الناجي بالهمة، وربطت اسمه أيضاً بأنشطة ثقافية ومشاريع في الرحامنة مرتبطة بالمؤسسة التي كان يرأسها عالي الهمة.

وينتقد الباحث كذلك الرهان على عدد من الوجوه المنتمية إلى اليسار من أجل إضفاء بعد فكري وسياسي على المشروع، معتبراً أن الاستعانة بهذه الشخصيات لم تكن كافية لإنتاج مرجعية فكرية قادرة على منافسة تيار إسلامي راكم خبرة طويلة في العمل السياسي والتنظيمي والنضالي.
وبحسب الناجي، فإن المشكلة لم تكن فقط في اختيار الأسماء، وإنما في محدودية قدرتها على إنتاج خطاب قادر على الوصول إلى المجتمع وإقناعه بمشروع سياسي جديد. وهو ما جعل الحزب، في تقديره، يواجه منذ البداية صعوبة في الانتقال من كونه مشروعاً صاغته نخب وشخصيات إلى كونه تنظيماً تتولد قوته من القواعد الاجتماعية

ويصل الناجي في نهاية تحليله إلى خلاصة أكثر حدة، مفادها أن طريقة ولادة الحزب تركت فيه، منذ البداية، ما يسميه «تشوهاً خلقياً» أثر لاحقاً في استقلاله التنظيمي والسياسي. ويرى أن اعتماد الحزب على الدعم والتدبير من خارج بنيته الداخلية جعله، في بداياته، غير قادر على الاعتماد على نفسه بالقدر الكافي.

وهكذا، فإن الخيط الناظم لتحليل الناجي لا يتمثل في اتهام الحزب بعلاقة مفترضة مع السلطة فحسب، بل في سؤال أعمق يتعلق بقدرته على إنتاج جذوره من داخل المجتمع. فالحزب، وفق هذه القراءة، استطاع أن يحجز لنفسه موقعاً في المشهد السياسي، لكنه لم يحسم منذ ولادته معضلة أساسية: كيف يتحول مشروع سياسي تم بناؤه من أعلى إلى تنظيم تتأسس قوته واستمراريته من أسفل، عبر المجتمع وقواعده ومصالحه وتطلعاته؟

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.