شلال الدم على الطرقات.. من يحاسب ناصر بولعجول؟

منذ 4 ساعات
شلال الدم على الطرقات.. من يحاسب ناصر بولعجول؟
كلاش بريس / الرباط

​في كل مرة تهتز فيها المملكة على وقع فاجعة سير تدمي القلوب وتُبيد عائلات بأكملها، يطبق الصمت الرهيب على الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية (نارسا)، التي لا نكاد نسمع لها صوتاً إلا من خلال “بلاغات المناسبات والأعياد” الروتينية والمستفزة… بلاغات جافة تُعاد صياغتها كل موسم لتحذير السائقين ودعوتهم الجاهزة لاحترام القانون، وكأن دور الوكالة قد اختُزل في دور “الواعظ الموسمي” الذي يظهر فقط في العطل، بينما يغيب تماماً عن الميدان عندما يتعلق الأمر بإنقاذ الأرواح.

والواقع يفرض اليوم نزع مساحيق التجميل وطرح السؤال الحارق: هل تحولت “نارسا” إلى مجرد جهاز تذكيري ومؤسسة موسمية تكتفي بالتحذير اللفظي من وراء المكاتب المكيفة؟ أم أنها أُحدثت بمليارات من أموال دافعي الضرائب لوضع سياسات حازمة تقتلع مسببات الموت من جذورها؟

​إن الأرقام الرسمية الصادمة لم تعد تحتمل اللف والدوران؛ فالتقرير الأخير للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي لم يكن مجرد تنبيه، بل كان صك اتهام صريح، بعدما سجل استمرار الارتفاع المهول في عدد الحوادث، والوفيات، والإصابات العاهة.

هذا التقرير كشف العورة التدبيرية للوكالة، وأكد بالملموس أن “الاستراتيجية الوطنية” التي طالما رُوج لها في الفنادق الفخمة والندوات الصحفية، ليست سوى حبر على ورق، وأضغاث أحلام لم تحقق من أهدافها شيئاً يُذكر.

والحقيقة المرة أن الحملات التواصلية البهرجية والوصلات التلفزيونية “المكلفة” لا يمكنها أن تحقن دماً ينزف على الأسفلت، وبلاغات “توخوا الحذر” الجاهزة لن تمنع حافلة من السقوط في منحدر إذا لم تواكبها صرامة ميدانية تقطع مع العبث.

​تتوفر “نارسا” على ترسانة من الصلاحيات الواسعة؛ من إعداد الاستراتيجيات، وتحليل البيانات، إلى رصد النقط السوداء، وتأطير مدارس السياقة، والمراقبة. لكن على أرض الواقع، يصفعنا السؤال المحرج: أين أثر هذه السلطات الإمبراطورية؟ فما فائدة دراسات “النقط السوداء” إذا ظلت حبيسة الرفوف ولم تتحول إلى أوراش ميدانية تجتث مسببات الموت في المنعرجات القاتلة؟ وما فائدة المراقبة والوقاية إذا كانت الطرقات تئن تحت وطأة الفوضى وغياب الحزم الميداني الحقيقي؟

​ولسنوات طوال، ارتبط اسم المدير العام، ناصر بولعجول، بقيادة هذه المؤسسة. واليوم، مع استمرار تصاعد المؤشرات الحمراء وتوالي الفواجع، لم يعد مقبولاً ولا مسموحاً التزام الصمت، أو تبرير الفشل برمي المسؤولية بالكامل على “العنصر البشري” لتبرئة ذمة الإدارة.

إن استمرار المؤشرات السلبية يفرض نقاشاً وطنياً شرساً حول حصيلة هذا التدبير المستدام في منصبه، ومدى أهلية القيادة الحالية على إحداث القطيعة مع هذا النزيف. فأرواح المغاربة ليست مجرد أرقام تُدرج في رسوم بيانية وتُعرض في تقارير سنوية منمقة لذر الرماد في العيون، واستمرار سقوط مئات الضحايا سنوياً هو فشل إداري وسياسي مع سبق الإصرار والترصد، ولا يمكن بأي حال من الأحوال تصنيفه كـ “قدر محتوم” يواجه بالصمت وبلاغات المناسبات.

إن تفعيل المبدأ الدستوري “ربط المسؤولية بالمحاسبة” يجب أن يبدأ من هرم “نارسا”، لأن المؤسسات تُقاس بنتائجها على أرض الواقع وبعدد الأرواح التي تنجح في إنقاذها، لا بعدد بلاغاتها التذكيرية ولا بحملاتها الإعلامية الاستعراضية. وكل مسؤول عاجز عن وقف هذا الشلال الدموي عليه أن يمتلك الشجاعة الأخلاقية لتقديم استقالته ويرحل، لأن دماء المغاربة غالية، وحساب التاريخ لن يرحم المتهاونين!

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.