لطالما شكّل وصول “أولاد الشعب” إلى المناصب الحكومية السامية في المغرب سابقة نادرة الخروج عن القاعدة، في ظل عقود طويلة من هيمنة نخب ولدت وفي أفواهها ملاعق من ذهب وتنحدر من عائلات ميسورة وأوساط ثرية. غير أن الخريطة السوسيولوجية والسياسية للبلاد شهدت تحولاً لافتاً منذ تسعينيات القرن الماضي، وتحديداً مع إرهاصات تجربة التناوب التوافقي، حيث فُتحت الأبواب تدريجياً أمام طاقات عصامية قادمة من المداشر والقرى والأحياء الهامشية، لتجد لنفسها موطئ قدم داخل الحكومات المتعاقبة بعد أن بدأت مسارها من نقطة الصفر.
وفي الوقت الذي ظل فيه “المصعد الاجتماعي” معطلاً أو متجهاً نحو الأسفل للأغلبية، نجح هؤلاء المسؤولون في اختراق الهرم الطبقي، لينقسموا بعد “هطول أمطار النعمة” إلى تيارين؛ تيار غيّر نمط حياته رأساً على عقب متبنياً حياة مخملية جديدة، وتيار آخر قاوم بريق السلطة وحافظ على جوهر عيشه وبساطته وظل مرتبطاً بأصوله الشعبية
ثــريا جـبـران
شكل تعيين ثريا جبران وزيرة للثقافة في حكومة عباس الفاسي سنة 2007 لحظة استثنائية في المشهد السياسي والثقافي المغربي، إذ رأى فيه كثيرون آنذاك إشارة قوية على رغبة الدولة في الانفتاح على الوجوه الفنية والثقافية التي صنعت اسمها وسط الناس، بعيدا عن منطق النخب التقليدية والمسارات الإدارية الكلاسيكية. فقد جاءت ثريا جبران من قلب الخشبة، من معاناة الفنان المغربي، ومن أحياء شعبية صنعت شخصيتها العفوية والبسيطة، لذلك بدا وصولها إلى منصب وزاري وكأنه انتصار رمزي للفنانين الذين ظلوا لسنوات يشتكون التهميش والإقصاء.
ولم يكن اسم ثريا جبران غريبا عن المغاربة قبل دخولها عالم السياسة، فقد راكمت مسارا فنيا طويلا وحافلا بالعطاء، سواء في المسرح أو التلفزيون أو السينما، واستطاعت أن تحجز لنفسها مكانة خاصة داخل قلوب الجمهور المغربي بفضل أدائها الصادق والقريب من الناس. كما ارتبط اسمها بالمسرح التجريبي إلى جانب زوجها عبد الواحد عوزري، حيث شكلا معا ثنائيا فنيا آمن بأن المسرح ليس مجرد فرجة، بل وسيلة للتوعية والتغيير وطرح قضايا المجتمع.
وقد عرفت ثريا جبران، واسمها الحقيقي السعدية قريطيف، حياة مليئة بالتحديات والصعوبات. فهي لم تصل إلى النجومية بسهولة، بل مرت من سنوات طويلة من المعاناة والعمل المتواصل داخل الساحة الفنية، في زمن كان فيه الفنان المغربي يعيش أوضاعا اجتماعية ومادية صعبة. لذلك ظل الكثيرون يعتبرونها نموذجا للفنانة العصامية التي بنت اسمها بموهبتها وإصرارها، وليس عبر الامتيازات أو العلاقات
.
ورغم انتقالها إلى العمل الحكومي، لم تتخل ثريا جبران عن بساطتها المعهودة، إذ ظلت محافظة على شخصيتها الشعبية القريبة من المواطنين، بعيدا عن لغة البروتوكول والتكلف السياسي. وحتى بعد استوزارها، ظل المغاربة يتذكرون عبارتها الإشهارية الشهيرة “واناري جابها فراسو”، التي تحولت إلى جزء من الذاكرة الشعبية المغربية، في دلالة على قوة حضورها الفني داخل المجتمع.
كما حاولت خلال فترة توليها وزارة الثقافة أن تعطي صورة مختلفة عن المسؤول الحكومي، فكانت حاضرة في الأنشطة الفنية والثقافية بروح الفنانة أكثر من روح السياسية، وسعت إلى فتح النقاش حول أوضاع الفنانين وضرورة تحسين ظروفهم الاجتماعية والمهنية. غير أن تجربتها الوزارية لم تدم طويلا، بعدما اضطرها المرض إلى مغادرة المنصب سنة 2009، ليخلفها بنسالم حميش.
ورغم رحيلها لاحقا بعد صراع مع المرض، بقي اسم ثريا جبران حاضرا بقوة في الذاكرة الثقافية المغربية، ليس فقط باعتبارها ممثلة مقتدرة، بل أيضا كواحدة من الشخصيات الفنية التي استطاعت أن تنتقل من خشبة المسرح إلى تدبير الشأن الثقافي، دون أن تفقد بساطتها أو ارتباطها بالناس.



















