لطالما شكّل وصول “أولاد الشعب” إلى المناصب الحكومية السامية في المغرب سابقة نادرة الخروج عن القاعدة، في ظل عقود طويلة من هيمنة نخب ولدت وفي أفواهها ملاعق من ذهب وتنحدر من عائلات ميسورة وأوساط ثرية. غير أن الخريطة السوسيولوجية والسياسية للبلاد شهدت تحولاً لافتاً منذ تسعينيات القرن الماضي، وتحديداً مع إرهاصات تجربة التناوب التوافقي، حيث فُتحت الأبواب تدريجياً أمام طاقات عصامية قادمة من المداشر والقرى والأحياء الهامشية، لتجد لنفسها موطئ قدم داخل الحكومات المتعاقبة بعد أن بدأت مسارها من نقطة الصفر.
وفي الوقت الذي ظل فيه “المصعد الاجتماعي” معطلاً أو متجهاً نحو الأسفل للأغلبية، نجح هؤلاء المسؤولون في اختراق الهرم الطبقي، لينقسموا بعد “هطول أمطار النعمة” إلى تيارين؛ تيار غيّر نمط حياته رأساً على عقب متبنياً حياة مخملية جديدة، وتيار آخر قاوم بريق السلطة وحافظ على جوهر عيشه وبساطته وظل مرتبطاً بأصوله الشعبية.
نوال المتوكل
من بين أزقة الدار البيضاء الشعبية، حيث تنبت الأحلام بين شقوق الصخر، انطلقت طفلة حافية القدمين، تداعب الريح في ملاعب عارية ووعرة. لم تكن تدري آنذاك أن خطواتها الصغيرة تلك، كانت ترسم بالخطى العريضة خارطة طريق لعهد جديد في تاريخ الرياضة والسياسة العربية والإفريقية. إنها نوال المتوكل، الأيقونة التي لم تكتفِ باعتلاء منصات التتويج، بل صاغت من طموحها منارة أضاءت دروب النساء نحو المجد.
في صيف 1984، حطّت الرحال في “لوس أنجلوس” كزهرة فريدة وسط بعثة مغربية خلت من أي حضور نسائي سواها. هناك، وفي سباق الـ 400 متر حواجز، لم تكن نوال تقفز فوق الحواجز الخشبية للمضمار فحسب، بل كانت تحطم حواجز الوهم والنمطية التي تكبل المرأة العربية والإفريقية. وبثوانٍ معدودات من الركض الأسطوري، عانقت الذهب الأولمبي، لتسجل اسمها بمداد من نور كأول امرأة عربية وإفريقية تتربع على عرش الأولمبياد. ولم يكن هذا الإنجاز وليد الصدفة، بل كان امتداداً لسطوع سبقه في ملاعب البحر الأبيض المتوسط؛ حيث حصدت الذهب في دورة المغرب عام 1983 لسباق 400 متر عدواً، وكررت عزف سيمفونية الفوز في دورة سوريا، مؤكدة أن هذا الغزال المغربي لا يرضى بغير القمة بدلاً.
لم ينتهِ السباق بـاعتزال المضمار؛ بل انتقلت نوال من قيادة الخطوات إلى قيادة الاستراتيجيات. وفي عام 1997، وضع العاهل المغربي الراحل الملك الحسن الثاني ثقته في مؤهلاتها، ليعينها كاتبة دولة للشباب والرياضة، في تجربة دامت ثمانية أشهر، مهدت الطريق لعودتها اللاحقة إلى الحقل الوزاري في حكومة عباس الفاسي، لتتولى حقيبة الرياضة إلى جانب ست سيدات شكلن آنذاك ملامح ثورة ناعمة في مراكز القرار المغربي في قطاعات حيوية كالصحة، والطاقة، والثقافة، والتنمية الاجتماعية.
وعلى الصعيد الدولي، تحولت المتوكل إلى سفيرة فوق العادة للرياضة العالمية. فبعد انضمامها للجنة التنفيذية للاتحاد الدولي لألعاب القوى عام 1995، حظيت بثقة اللجنة الأولمبية الدولية التي اختارتها عام 2004 لتتولى مهمة بالغة الحساسية والدقة، وهي رئاسة لجنة تقييم ملفات المدن المرشحة لاستضافة أولمبياد 2012. وبكفاءة عالية، قادت نوال عملية المفاضلة بين حواضر العالم الكبرى كـمدريد، نيويورك، باريس، وموسكو، لتستقر الدورة في النهاية بـلندن.
ولم يقف قطار التألق هنا، بل واصلت المسير لتترأس لجنة التنسيق الخاصة بأولمبياد ريو دي جانيرو 2016، فضلاً عن حضورها البارز ضمن الوفد المغربي الرفيع الذي نافس على استضافة كأس العالم 2010.
وفي ريو دي جانيرو، وبنبرة تجمع بين التواضع والكبرياء، أطلقت المتوكل تصريحاً يحمل بذور التاريخ قائلة: “ولما لا؟.. ربما قد أترشح”. كلمات لخصت طموحها المشروع في دخول سباق الرئاسة للجنة الأولمبية الدولية خلفاً لـ “جاك روج”، وهي تشغل منصب نائبه.
وفي أروقة “بوينس آيرس” الصاخبة، تقف ابنة الدار البيضاء وجهاً لوجه مع قامات دولية مثل الألماني “توماس باخ”، والصيني “سير ميانج”، و”ريتشارد كاريون” من بورتوريكو، وهي لا تنافس فقط على منصب، بل تسعى لتكون أول امرأة تحكم المعمورة الرياضية من أعلى هرم أولمبي.
إن سيرة نوال المتوكل ليست مجرد قصة رياضية عابرة، بل هي ملحمة إنسانية تُثبت أن الحواجز، مهما علت، وُجدت فقط ليتم اجتيازها، وأن الطفلة التي ركضت حافية على تراب الدار البيضاء، قادرة أن تقود العالم برؤيتها وخطاها الواثقة



















