بقلم: فتح الله حافظي
في ملف حساس كالصحة، لا تكفي النوايا الحسنة ولا تكفي العناوين اللامعة. فالطبيب ليس رقماً يُضاف إلى حصيلة، وليس شهادة تُمنح لإغلاق نقاش عمومي. الطبيب مسؤولية، وتكوينه الجيد ليس ترفاً، بل شرطاً أساسا لحماية حياة المواطنين.
لا أحد يعارض توسيع شبكة كليات الطب وتقريب التكوين من مختلف الجهات، فالمغرب يحتاج إلى أطباء أكثر، ويحتاج إلى عدالة مجالية في توزيع مؤسسات التكوين والخدمات الصحية. لكن الإشكال يبدأ عندما يتحول الإصلاح إلى سباق نحو الأرقام، وعندما يصبح افتتاح مؤسسة جديدة مناسبة للتفاخر السياسي بدل أن يكون جزءاً من رؤية متكاملة تضمن الجودة والاستمرارية.
فالتعليم الطبي ليس مجرد بنايات تُفتتح، ولا مدرجات تُملأ بالطلبة، ولا أرقام تُضاف في التقارير. الطب منظومة دقيقة تحتاج إلى مستشفيات جامعية حقيقية، ومختبرات مجهزة، وأساتذة قادرين على التأطير، وتكوين سريري يضع الطالب أمام الواقع المهني بكل تعقيداته.
لأن الفرق كبير بين تخريج طبيب يحمل شهادة، وتكوين طبيب يستحق ثقة المجتمع. فالمريض لا يسأل عن عدد الكليات التي فُتحت، ولا عن عدد المقاعد التي أُضيفت، بل يسأل عن طبيب قادر على التشخيص والعلاج، وعن مستشفى يحفظ كرامته ويوفر له الخدمة التي يحتاجها.
والسؤال الذي يجب أن يُطرح بوضوح: هل نحن نبني منظومة صحية قوية، أم نراكم أرقاماً جميلة للاستهلاك الإعلامي؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول الحق في الصحة إلى مادة للتسويق السياسي، وأن تتحول المؤسسات العمومية إلى أوراق في حسابات انتخابية. فالمؤسسة التي تُموّل من المال العام ليست إنجازاً خاصاً لهذا المسؤول أو ذاك، وليست مناسبة لتوزيع صكوك الفضل السياسي، بل هي ملك للمواطنين وحق للأجيال القادمة.
وهنا تبرز بعض الممارسات التي نشهدها أحياناً، كما يحدث في مدينة سطات، حيث يتحول خبر افتتاح مؤسسة عمومية إلى ساحة للتنافس حول من ينسب الإنجاز لنفسه، بدل أن يكون النقاش الحقيقي حول جاهزية المؤسسة، شروط اشتغالها، وقيمتها المضافة للمجتمع.
فالجامعة ليست صورة أمام الكاميرات، والكلية ليست اسماً على لوحة، والمستشفى ليس مجرد بناية. كل هذه المؤسسات لها معنى فقط عندما تؤدي وظيفتها الاجتماعية والعلمية على الوجه المطلوب.
الدولة الاجتماعية لا تُقاس بعدد المشاريع المعلنة فقط، بل بقدرتها على ضمان الجودة والعدالة وتكافؤ الفرص. لأن المواطن لا يحتاج إلى مزيد من الخطابات حول الإصلاح، بل يحتاج إلى إصلاح يشعر به في حياته اليومية.
المطلوب ليس فقط المزيد من كليات الطب… بل المزيد من الحكمة في بنائها، والمزيد من المسؤولية في تدبيرها. لأن صحة المغاربة ليست ورقة انتخابية، والطبيب ليس رقماً في حصيلة، والمواطن ليس مجرد متلقٍ للتصفيق.
فعندما يصبح إصلاح الطب سباقاً نحو الأرقام، يصبح الخطر أن نربح معركة الشكل… ونخسر معركة الجودة.



















