كلاش بريس / عبد الله عياش
في خضم الدينامية الراهنة التي تجمع حزب التقدم والاشتراكية بنظيره الأصالة والمعاصرة، تتجلى صورة مكثفة للتدافع بين هاجس المشروعية التاريخية وضغط الواقعية السياسية. يعلم نبيل بنعبد الله، بحسه السياسي ومساره الطويل في دروب المناورة ، أن رئيسة الحكومة المعينة فاطمة الزهراء المنصوري لا تبحث فقط عن دعم عددي يضمن لها الأغلبية المريحة، بقدر ما تحتاج إلى مظلة سياسية وأخلاقية ذات حمولة يسارية ونضالية
إنها محاولة حثيثة لإضفاء صبغة اجتماعية وتنموية على حكومتها المرتقبة، لاسيما في لحظة فارقة تتزايد فيها مؤشرات العزوف الاجتماعي وتتسع فيها دائرة الاحتقان الشعبي الذي نبهت إليه الدورة الاستثنائية الأخيرة لحزب الكتاب.
غير أن هذا التقارب، مهما بدا مغرياً لبعض الأطراف، يضع حزب التقدم والاشتراكية أمام امتحان وجودي يتجاوز بريق المناصب ورغبة العودة إلى التدبير. فالحزب المطالب بالحفاظ على رصيده الرمزي ومصداقيته أمام قواعده، يجد نفسه بين خيارين لا ثالث لهما: إما افتراض وجود تقاطعات برامجية حقيقية تتأسس عليها شراكة صلبة تنعكس على الخيارات الاقتصادية والاجتماعية للحكومة وهذا في الغالب مجرد وهم مصنوع ، وإما الانجرار نحو براغماتية باردة تجعل من هذه الخطوة مجرد تأثيث للواجهة السياسية وتلميع لصورة مشهد يحتاج إلى الكثير من الثقة وهذا المتوقع بقوة
إن الأيام القليلة المقبلة ستكون الكفيل الوحيد بكشف طبيعة هذه الشراكة، وما إذا كانت ستفرز مشروعاً تنموياً يحمل نفَس اليسار ورؤيته للعدالة الاجتماعية، أم أنها لن تتعدى كونها تسوية ظرفية تفرضها متطلبات التعايش والتعاطي مع الأمر الواقع.
ويعرف بنعبد الله جيدا ان خيار مشاركة حزب التقدم والاشتراكية في أغلبية تقودها القيادية في حزب الأصالة والمعاصرة فاطمة الزهراء المنصوري حزمة من الانعكاسات المعقدة والمخاطر المزدوجة على المستويين السياسي والنضالي.
تتلخص أولى هذه المخاطر في التمييع الأيديولوجي وتآكل الهوية الفكرية، إذ إن التقاطع المستمر بين حزب يحمل إرثاً يسارياً تاريخياً وتنظيم نشأ ضمن توازنات السلطة ومقاربات البراغماتية الإدارية يُضعف خط التمايز لدى قواعد الحزب، ويُصعّب على المواطن التمييز بين البديل الديمقراطي اليساري والسياسات الليبرالية العامة.
على المستوى النضالي، يكمن التحدي الأكبر في استنزاف الرصيد الأخلاقي والشعبي للحزب. فالمشاركة في التشكيلة الحكومية قد تجعل الحزب متحملًا للكلفة السياسية لأي تعثر في ملفات الغلاء وضغط القدرة الشرائية والاحتقان الاجتماعي، مما قد يُحوّله من موقع المدافع عن الفئات الهشة إلى طرف يتحمل مسؤولة الاختيارات الاقتصادية، وهو ما يرفع من حدة العزوف عن الحزب لدى القواعد الشبابية والجامعية
.
كما تبرز في هذا السياق مخاطر الانزلاق نحو البراغماتية الأداتية؛ حيث قد تُختزل مشاركة الحزب في لعب دور “التغطية الأخلاقية والاجتماعية” للأغلبية ومجرد “تأثيث للواجهة”، مقال العودة إلى كراسي التدبير الوزاري دون امتلاك قدرة حقيقية على التأثير في الجوهر والخيارات الكبرى للمشروع التنموي.
في المقابل، تكمن الفرصة الوحيدة للحزب في قدرته على صياغة شرط التقاطع البرامجي والشرط التفاوضي القوي، بما يضمن استقلالية القرار والحفاظ على مسافة نقدية تمنع الذوبان السياسي، وتكفل له الاستمرار كصوت اجتماعي حقيقي من داخل التشكيلة التنفيذية وليس خارجها فقط.












