الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.. حين يتحول الواجب الإداري إلى “إنجاز” إعلامي

منذ 3 ساعات
الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.. حين يتحول الواجب الإداري إلى “إنجاز” إعلامي

في كل مرة تقترب فيها مناسبة دينية أو اجتماعية كبرى، يخرج الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي ببلاغات رسمية يتم تقديمها للرأي العام على أنها “مبادرات استثنائية” و”خطوات اجتماعية مهمة”، بينما يتعلق الأمر في الواقع بإجراءات عادية تدخل ضمن أبسط ما يُفترض أن توفره المؤسسات العمومية لمستفيديها.

البلاغ الأخير المتعلق بتقديم صرف معاشات شهر ماي قبل حلول عيد الأضحى المبارك، لا يختلف كثيراً عن البلاغات السابقة التي تحاول إضفاء طابع “الإنجاز” على قرارات إدارية معمول بها منذ سنوات داخل عدد كبير من المؤسسات، سواء في القطاع العام أو الخاص، والتي اعتادت صرف الأجور أو التعويضات قبل الأعياد مراعاةً للظروف الاجتماعية للمواطنين.

صحيح أن آلاف المتقاعدين والأسر المستفيدة ستستفيد من هذا التقديم، وهو أمر إيجابي بطبيعة الحال، لكن السؤال الحقيقي الذي يطرحه المواطن اليوم هو: لماذا يتم تسويق إجراءات عادية وكأنها نجاحات كبرى تستحق الاحتفاء؟
الإنجاز الحقيقي لا يقاس ببلاغات المناسبات ولا بالتواصل المؤسساتي الذي يلمّع الصورة، بل يقاس بمدى جودة الخدمات المقدمة يومياً للمواطنين، وبقدرة المؤسسة على حل المشاكل الحقيقية التي يتخبط فيها المرتفقون داخل الوكالات والإدارات.

الإنجاز الحقيقي هو أن يجد المواطن ملفه يُعالج داخل آجال معقولة دون تأخير غير مفهوم، وأن يحصل على حقه دون الحاجة إلى التنقل عشرات المرات بين الشبابيك، أو انتظار أشهر طويلة من أجل وثيقة أو جواب بسيط.
الإنجاز هو أن يتوصل أصحاب الملفات المرفوضة بتفسيرات واضحة ومقنعة تحترم حقهم في المعلومة، بدل تركهم في حالة من الغموض والضياع الإداري، حيث يجد كثيرون أنفسهم بين الرفض غير المبرر وغياب أي تواصل فعلي من طرف المصالح المعنية.

كما أن الحديث عن “المبادرات الاجتماعية” يفقد جزءاً كبيراً من قيمته عندما تستمر شكاوى المواطنين من طريقة الاستقبال داخل بعض الوكالات، ومن المعاملة التي يعتبرها عدد من المرتفقين بعيدة عن الحد الأدنى من احترام الكرامة الإنسانية.

فالمواطن لا يحتاج فقط إلى موعد مبكر لصرف المعاش، بل يحتاج أيضاً إلى إدارة تستقبله باحترام، وتتعامل مع ملفه بجدية، وتوفر له المعلومة الدقيقة دون تعقيد أو تسويف.

ولا يمكن إنكار أن مؤسسة بحجم الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي تقوم بأدوار مهمة داخل المجتمع، لكن ذلك لا يمنع من توجيه النقد حين يتحول التواصل المؤسساتي إلى محاولة لصناعة “إنجازات إعلامية” أكثر من التركيز على معالجة الاختلالات اليومية التي يلمسها المواطن بشكل مباشر.

ومع تزايد الانتظارات الاجتماعية والاقتصادية، أصبح المواطن أكثر وعياً بالفرق بين التدبير العادي للواجبات الإدارية، وبين الإصلاح الحقيقي الذي ينعكس فعلاً على جودة الخدمات وعلى كرامة المرتفقين.

أما تقديم صرف المعاشات قبل العيد، فهو إجراء مرحب به دون شك، لكنه يبقى خطوة عادية لا ترقى لوصفها بإنجاز، لأن المواطن ينتظر ما هو أهم: إدارة فعالة، تواصل واضح، احترام للمرتفق، وعدالة في معالجة الملفات بعيداً عن البيروقراطية والتعقيدات التي ما تزال تُرهق فئات واسعة من المواطنين، خاصة المتقاعدين وذوي الحقوق الذين يفترض أن تحظى ملفاتهم بالعناية والاهتمام اللازمين.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.