الملاحظ، وأنت تستقل البراق، أن القطار ينطلق في موعده، أما بعض الركاب فما زالوا ينتظرون قطار الحضارة الذي لم يصلهم بعد.
منذ اللحظات الأولى تبدأ المفارقة. الشاشات الإلكترونية لا تتوقف عن التذكير بمنع التدخين، واحترام هدوء المقطورات، والحفاظ على راحة المسافرين، وكأنها تخوض معركة خاسرة سلفاً. وما إن تنتهي الرسالة حتى تتسلل رائحة السجائر، ويرتفع رنين الهواتف، وتبدأ مكالمات بصوت يكفي لأن يسمعها ركاب العربة المجاورة، بل وربما سائق القطار نفسه.
تدرك سريعاً أن المشكلة ليست في البراق، وإنما في بعض من يركبونه. فالقطار تجاوز ثلاثمائة كيلومتر في الساعة، بينما لا يزال بعض المسافرين عاجزين عن تجاوز عادة رفع الصوت، أو احترام قانون بسيط، أو إدراك أن الفضاء العمومي ليس غرفة الجلوس في المنزل.
إنها مفارقة مغربية بامتياز؛ نستثمر مليارات الدراهم في أحدث وسائل النقل، ثم يصر بعضنا على السفر بعقلية “أنا أولاً… والباقي يتدبر أمره”. وكأن احترام الآخرين ترف، والالتزام بالقانون خيار شخصي، والذوق العام وجهة نظر.
المشكلة أن كثيرين يخلطون بين الحرية والفوضى. يعتقد أحدهم أن من حقه أن يدخن حيث يشاء، وأن يتحدث في الهاتف كما يشاء، وأن يملأ المكان ضجيجاً، ثم يستغرب إذا نظر إليه الآخرون باستنكار. والحال أن الحرية التي تزعج الآخرين ليست حرية، بل سوء تربية يتخفى في لباس الحقوق.
ولأننا نعشق المظاهر، فقد أصبح من السهل أن نفتخر بصورة أمام قطار فائق السرعة، ومن الصعب أن نلتقط صورة مع سلوك حضاري. ننبهر بالواجهة الزجاجية للمحطة، لكننا لا نرى الزجاج الذي ينكسر كلما قرر أحدهم أن القوانين وُضعت للآخرين فقط.
لقد نجح المغرب في استيراد التكنولوجيا، وهذا إنجاز لا ينازع فيه أحد، لكن التكنولوجيا لا تحمل معها تلقائياً قيمها. فالشركات المصنعة تستطيع أن تبيعنا القطار، لكنها لا تستطيع أن تبيعنا احترام الصف، ولا خفض الصوت، ولا الامتناع عن التدخين، ولا الإحساس بأن راحة الآخرين مسؤولية جماعية.
هناك من يظن أن الحضارة تُقاس بسرعة القطار، بينما الحقيقة أنها تُقاس بسرعة استجابة المواطن للقانون. فما قيمة قطار يختصر ساعات من السفر إذا كان لا يستطيع أن يختصر دقيقة واحدة من الأنانية التي يمارسها بعض الركاب؟
المؤلم أن البراق لم يكشف ضعف القطار، بل كشف ضعفنا نحن. كشف أن الانتقال من مدينة إلى أخرى أسهل بكثير من الانتقال من ثقافة الاستهتار إلى ثقافة الاحترام. وأن المسافة بين طنجة والدار البيضاء يمكن قطعها في ساعات، أما المسافة بين السلوك المتخلف والسلوك المدني فما زالت تحتاج إلى رحلة أطول بكثير.
في النهاية، ليست الحداثة أن نركب قطاراً يشبه قطارات أوروبا، بينما نصر على حمل عادات لا تحترم أبسط قواعد العيش المشترك. فالتمدن لا يُقاس بسرعة العجلات، بل برقي العقول. أما القطارات، فهي تستطيع أن تنقل الأجساد بسرعة مذهلة، لكنها تعجز، مهما بلغت سرعتها، عن نقل الوعي… لأن هذه الرحلة لا تزال مؤجلة.



















