مع اقتراب ساعة الحقيقة وعودة عقارب الاستحقاقات الانتخابية للدوران، يجد المواطن المغربي نفسه أمام مشهد سياسي سريالي، يعج بوجوه غابت عن الساحة طيلة ولاية كاملة، لتظهر فجأة تطلب أصوات الناخبين، في “موسم هجرة” انتخابي لم يعد مقبولاً فيه تجريد الخطاب من الحساب أو قبول الوعود دون فحص الحصيلة.
وعلى رأس هذه القائمة التي تثير الذهول، يبرز اسم محمد جودار، الأمين العام لحزب الاتحاد الدستوري، والنائب البرلماني الذي يمثل دائرة “ابن امسيك” بالدار البيضاء، وهي دائرة شعبية تئن تحت وطأة التهميش وتنتظر من يدافع عن ملفاتها الحارقة، لكن ممثلها في قبة البرلمان اختار، ويا للعجب، أن يلوذ بصمت أشبه بـ “صمت القبور”.
الأرقام لا تكذب ولا تجامل؛ فالحصيلة البرلمانية المتداولة لمحمد جودار طيلة ولاية تشريعية كاملة تكاد تكون منعدمة، بعدما لم يسجل له سوى سؤال شفوي واحد يتيم في خمس سنوات، وهي حصيلة لا يمكن وصفها إلا بالمهزلة التشريعية والرقابية.
فكيف لبرلماني حُمل على أكتاف الساكنة ليكون صوتها، أن يتحول إلى مجرد “رقم تكميلي” في المقاعد، يتفرج على مشاكل المواطنين دون أن يملك جرأة المساءلة أو المبادرة؟ وإذا كان النائب لا يستعمل أبسط وأضعف الآليات الرقابية والدستورية المتاحة له، فماذا كان يفعل داخل المؤسسة التشريعية، وعن أي ملفات تدافع؟
والمصيبة الأكبر، والتي تجعل الأمر غير قابل للاستساغة، هي أننا لا نتحدث هنا عن برلماني مبتدئ، بل نتحدث عن الأمين العام لحزب سياسي، والشخص الذي يُفترض فيه أن يكون “القدوة” لبرلمانيي حزبه، والمحرك الأساسي لفرقته النيابية، والدينامو الذي يراقب الحكومة ويقض مضجعها بالملفات والبدائل.
فإذا كان قائد السفينة عاجزاً عن الترافع، ومكتفياً بسؤال واحد، فبأي وجه سيحاسب برلمانيي حزبه؟ وكيف يمكن للرأي العام أن يثق في جيل من المنتخبين يقودهم “زعيم” اختار العطالة التشريعية الطوعية؟
إن العمل البرلماني ليس نزهة، وليس “برستيجاً” سياسياً أو ريعاً انتخابياً يُستغل عند الحاجة؛ بل هو حضور، ومواجهة، وترافع شرس عن هموم المواطن، ومراقبة صارمة لخطوات الحكومة.
أما الاختباء وراء الشعارات الموسمية والخروج في حملات انتخابية بوعود وردية جديدة، فما هو إلا استخفاف صارخ بذكاء المغاربة. واليوم، وأمام هذه “الحصيلة الصفرية”، من حق ساكنة ابن امسيك، ومن حق المغاربة عامة، أن يطرحوا السؤال الحارق: بأي وجه وأي شرعية سيعود محمد جودار وحزبه لطلب ثقة الناخبين؟ إ
ن الصمت طيلة الولاية هو بمثابة استقالة غير معلنة من الواجب الوطني، ومن غاب عن المعارك الحقيقية للمواطنين، لا يستحق أن يمثلهم مجدداً تحت قبة البرلمان، فالوعود تبخرت، ولم تبق سوى الأرقام الفاضحة.



















