في المشهد السياسي المغربي، تبدو المفارقات أسرع بكثير من القرارات الفعالة، والتحولات الحزبية أجرأ من أي وقت مضى في القفز فوق التناقضات، ليصل الخطاب اليوم إلى ذروة التناقض بين موقع المسؤولية ولغة المعارضة.
ها هو الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، المسؤول المباشر عن صياغة التوازنات المالية وصرف الاستثمارات ومواجهة التضخم، يقف وسط القاعات ليصرخ ضد ارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة، وكأنه مواطن بسيط يشتكي من قساوة السوق، أو مراقب لا يملك من أمره شيئاً سوى الاستنكار والتنديد.
وها هو لقجع، الذي أدار المال العام ووقع على التدابير الحكومية طيلة المرحلة الماضية، يخرج اليوم ليعيد تعريف الأزمة بلغة حادة، حاصراً المسؤولية في أطراف مبهمة وصفها بـ “الإرهابيين الحقيقيين”، متناسياً أن السياسات المعتمدة والخيارات الاقتصادية الحكومية هي التي رسمت ملامح هذه الأزمة وأدت إلى انهيار القدرة الشرائية للأسر.

وها هو “البامي” ، القيادي الحزبي الذي يمثل رقماً صعباً في الأغلبية الحكومية المسيرة، يختار بيت أحد الأعيان ليصنع منه مناظرة نقدية ضد واقع هو شريك أساسي في صنعه، محاولاً الاستثمار السياسي في معاناة المواطنين وإعادة تقديم الحزب كمنقذ اجتماعي واقتصادي لمرحلة قادمة.
إن هذا التوزيع في الأدوار وتبادل الأقنعة بين المسؤولية الحكومية والخطاب الجماهيري لم يعد ينخدع به أحد؛ فالمواطن المغربي الذي اكتوى بغلاء اللحوم والأسعار لا يحتاج إلى تشخيص الأزمة من القائمين عليها، بل ينتظر تحمل المسؤولية السياسية والأخلاقية بكل شجاعة وتقديم الإنجازات لا الشعارات.
وهذا ما يُسمى بالعبث السياسي في أبهى صوره، حين تُمحى الحدود الفاصلة بين الحاكم والمحكوم، ويتحول من يملك سلطة التغيير إلى مجرد منادٍ في الأسواق. إنها السريالية السياسية التي تجعل المسؤول يسخط على قراراته، ويشتكي من نتائج سياسته، وكأنه يمارس المعارضة ضد نفسه، مستغفلاً ذاكرة الشارع التي لا تنسى من كان يجلس على كرسي القرار حين تهاوت القدرة الشرائية للمواطنين.













