ما أن أعلن الناخب الوطني عن اللائحة النهائية للمنتخب المشارك في المونديال يوم الثلاثاء الماضي، حتى انفجرت مواقع التواصل الاجتماعي بالتحليلات والانفعالات والاعتراضات، وتحول فجأة مجموعة من الأشخاص إلى مدربين وخبراء في الاختيارات التقنية، وكل واحد منهم يتحدث وكأنه كان حاضرًا في الاجتماعات التقنية ويتابع تفاصيل الجاهزية البدنية والنفسية والتكتيكية لكل لاعب.
فهذا غاضب لأن لاعبه المفضل لم تتم المناداة عليه، وذاك يهاجم اختيار لاعب آخر فقط لأنه لا ينسجم مع ميوله أو انطباعاته الشخصية، وثالث يتحدث بمنطق العاطفة والولاءات المحلية وكأن المنتخب الوطني فضاء لتوزيع المجاملات وإرضاء الجماهير، لا مؤسسة رياضية لها أهداف واضحة ومسؤوليات ثقيلة وتنافس عالمي لا يعترف بالعواطف ولا بالأسماء الرنانة.
المثير للسخرية أن بعض الذين يهاجمون اللائحة اليوم، هم أنفسهم الذين كانوا قبل أسابيع ينتقدون بعض الأسماء الموجودة فيها، لكن بمجرد إعلان القائمة تغيّر الخطاب وأصبح الجميع يطالب بإضافة المزيد من اللاعبين، وكأن الناخب الوطني مطالب بإعداد لائحة مفتوحة ترضي الجميع. لذلك لم يكن تعليق الصحفي مصطفى أبو عباد الله بعيدًا عن الواقع حين قال بسخرية إن وهبي كان عليه أن يستدعي مائة لاعب حتى يتوقف هذا الضجيج العبثي.
الحقيقة التي يرفض البعض الاعتراف بها هي أن تدريب المنتخب الوطني ليس مسابقة شعبية على مواقع التواصل، ولا استفتاءً إلكترونيًا تتحكم فيه العواطف والانفعالات اللحظية. هناك مدرب مسؤول، له طاقم تقني، وله رؤية واختيارات ومعايير، وهو من سيتحمل الضغط والنتائج والانتقادات في النهاية، وليس أولئك الذين يكتبون تدوينات غاضبة ثم يختفون عند أول انتصار.
محمد وهبي لم يختبئ خلف البلاغات المقتضبة أو العبارات الدبلوماسية الجاهزة، بل خرج إلى الندوة الصحفية وواجه الجميع بهدوء وثقة، وشرح تفاصيل اختياراته بشكل واضح ومباشر. تحدث عن الجاهزية البدنية، وعن الانسجام داخل المجموعة، وعن الحالة الذهنية للاعبين، وعن حاجته إلى عناصر تستطيع التأقلم مع ضغط المنافسة الكبرى، لا مجرد أسماء تحقق “الترند” أو تحصد التصفيقات الافتراضية.
لكن يبدو أن جزءًا من جمهور الكرة عندنا لا يريد تفسيرًا ولا مشروعًا رياضيًا ولا رؤية تقنية، بل يريد فقط أن يرى الاسم الذي يحبه داخل اللائحة، حتى لو كان بعيدًا عن مستواه أو غير جاهز أو لا يدخل ضمن التصور التكتيكي للمدرب. وهنا يتحول النقاش من نقاش كروي طبيعي إلى نوع من الفوضى الجماعية التي يغيب فيها المنطق ويعلو فيها الصراخ والانفعال والتخوين أحيانًا.
النقد في كرة القدم حق مشروع، بل هو ضروري، لكن هناك فرق كبير بين النقد المسؤول وبين تحويل كل قرار إلى معركة مفتوحة وحملة تشويش مستمرة. فمن غير الطبيعي أن تبدأ بعض الأصوات في نسف عمل المدرب قبل أن يخوض المنتخب أول مباراة، وكأن البعض يستمتع أكثر بإنتاج الجدل من دعم المنتخب نفسه.
المنتخبات الكبرى لا تُبنى بإرضاء الجميع، لأن إرضاء الجميع مستحيل أصلًا. كل مدرب ناجح في العالم اتخذ قرارات صعبة، وأقصى أسماء كبيرة، وتحمل موجات من الانتقاد، لكنه كان يملك الشجاعة الكافية للدفاع عن قناعاته. أما عندنا، فبمجرد غياب لاعب واحد تبدأ حفلات الصراخ وكأن الوطن دخل في أزمة وجودية.
المنتخب اليوم بحاجة إلى الهدوء والثقة والاستقرار، لا إلى هذا الضجيج الذي يصنعه بعض هواة الإثارة والبطولات الافتراضية. فسهولة إطلاق الأحكام من خلف الشاشات لا تصنع منتخبًا قويًا، والتدوينات الغاضبة لا تمنح الألقاب، والتشويش المستمر لا يخدم إلا أعداء النجاح.
وفي النهاية، سيبقى محمد وهبي وحده من يتحمل مسؤولية اختياراته أمام الجمهور والتاريخ والنتائج، ولذلك من أبسط قواعد الإنصاف أن يُترك يعمل في هدوء، وأن يُحاسَب على ما سيقدمه المنتخب فوق أرضية الميدان، لا على حجم الضجيج الذي يرافق كل قرار في مواقع التواصل.
بين ضجيج الجماهير وهدوء المدرب… لماذا لا يترك البعض محمد وهبي يعمل؟

فتح الله حافظي


















