بين منطق المؤسسة ومنطق الشخص… ماذا تكشف أزمة دائرة المحيط؟

منذ ساعة واحدة
بين منطق المؤسسة ومنطق الشخص… ماذا تكشف أزمة دائرة المحيط؟

الرباط – كلاش بريس

ليست أزمة دائرة المحيط بالرباط مجرد خلاف حول اسم مرشح، ولا نزاعاً عابراً حول تزكية انتخابية. إنها، في جوهرها، اختبار حقيقي لقدرة الأحزاب السياسية على الانتصار لمنطق المؤسسة عندما يتعارض مع منطق الأفراد، وللقانون الداخلي عندما يصطدم بالرغبات الشخصية.

غير أن أخطر ما يمكن أن يحدث في مثل هذه الأزمات هو تحويل الوقائع إلى روايات مغلوطة، وتحويل المسؤولية الفردية إلى مؤامرة جماعية. فالدفاع عن أي مناضل إذا تعرض لاستهداف ذي خلفية سياسية أو لتوظيف انتقائي للقانون يظل موقفاً مبدئياً لا يقبل المساومة، لكن هذه المبدئية نفسها لا تعني تعطيل العقل النقدي، ولا إعفاء أي مسؤول سياسي من مسؤوليته القانونية أو التنظيمية. فاليسار الذي يدافع عن الحقوق لا يمكن أن يتخلى، في الآن ذاته، عن قيمة الحقيقة وعن مبدأ تحمل المسؤولية.

وجدت فيدرالية اليسار الديمقراطي نفسها أمام معطى قانوني واضح. فالمرشح الذي اختاره المجلس الإقليمي وكيلاً للائحة دائرة المحيط لم يعد يستوفي الشروط القانونية للترشح بعد التشطيب على اسمه من اللوائح الانتخابية، وتعذر إعادة قيده داخل الآجال المحددة. وكان على الحزب أن يختار بين الانسحاب من واحدة من أهم الدوائر الانتخابية في العاصمة، بما يحمله ذلك من كلفة سياسية وتنظيمية، أو البحث داخل مؤسساته عن البديل الذي تتيحه المسطرة التنظيمية.

اختارت القيادة الحل الثاني. لم تفتح باب ترشيحات جديدة، ولم تصنع مرشحاً خارج المؤسسات، بل عادت إلى نتائج المسطرة الأصلية، ومنحت التزكية للأستاذ محمود عمر بنجلون، الذي حل ثانياً في ترتيب اختيار مرشح الدائرة، باعتباره البديل التنظيمي الذي يحافظ على استمرارية القرار ويجنب الحزب فراغاً انتخابياً كان سيصب مباشرة في مصلحة منافسيه.

ولذلك، فإن تقديم هذا القرار باعتباره التفافاً على الديمقراطية الداخلية لا ينسجم مع الوقائع التنظيمية المعلنة. فلو تم تجاوز صاحب المرتبة الثانية والبحث عن اسم آخر، لكان من المشروع الحديث عن خرق للمسطرة. أما احترام الترتيب الذي أفرزته الآليات الديمقراطية للحزب، فيمثل، منطقياً، امتداداً للمسطرة نفسها لا انقلاباً عليها.

وفي المقابل، يصعب اختزال ما وقع في مسؤولية الحزب وحده. فالقانون المنظم للتسجيل في اللوائح الانتخابية يربط القيد بمحل الإقامة، ويرتب على تغيير السكن إجراءات وآجالاً محددة.

وقد يكون من حق الجميع مناقشة هذا المقتضى أو المطالبة بتعديله، لكن ما دام قائماً فإنه يبقى مفروضا على الجميع. ومن ثم، فإن تحميل الحزب وحده نتائج انتهت إليها مسطرة قانونية يغفل جانباً أساسياً من الوقائع، ويحول النقاش من مساءلة موضوعية إلى بناء رواية سياسية لا تستوعب جميع عناصر الملف

ولعل المفارقة الكبرى أن هذا الصراع اندلع حول دائرة انتخابية لا تُعرف بسهولة الحسم، بل يصفها كثير من المتابعين والفاعلين السياسيين بـ”دائرة الموت”، بالنظر إلى طبيعة المنافسة التي تعرفها وحضور مرشحين وازنين يمثلون أحزاباً ذات امتداد انتخابي وتنظيمي قوي. ففي مثل هذه الدوائر لا توجد مقاعد مضمونة، ولا انتصارات محسومة سلفاً، بل معارك سياسية مفتوحة على جميع الاحتمالات. ولذلك بدا أن الخلاف الداخلي تجاوز حجمه الطبيعي، إذ تحول إلى صراع محتدم حول خوض معركة انتخابية صعبة، بدل أن يتجه الجهد نحو توحيد الصفوف والاستعداد لمواجهة المنافسين الحقيقيين في الميدان.

لكن الخلاف لم يبق داخل المؤسسات. فقد انتقل إلى الفضاء العمومي، حيث ارتفعت حدة الخطاب، وتحولت القضية من نقاش حول تأويل المساطر إلى تبادل للاتهامات والتشكيك في النيات، ثم إلى حملات تشهير وإساءة وعنف لفظي عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

ولم يتوقف الأمر عند حدود انتقاد القرار التنظيمي، بل بلغ حد توجيه أوصاف من قبيل “الندالة” و”الخسة” في حق مناضل يقتسم مع مطلقيها الانتماء إلى التنظيم نفسه. وهو انحدار في لغة الاختلاف لا يسيء إلى الأشخاص وحدهم، بل يمس صورة الحزب وثقافة الحوار داخله، ويكشف كيف يمكن لخلاف تنظيمي أن يتحول إلى خصومة شخصية تتجاوز ما تقتضيه أخلاقيات العمل السياسي.

إن أخطر ما تكشفه هذه الأزمة ليس الخلاف حول التزكية في حد ذاته، وإنما الطريقة التي يُدار بها هذا الخلاف. فالأحزاب الديمقراطية لا تُقاس فقط بقدرتها على اتخاذ القرار، وإنما أيضاً بقدرتها على احتواء النزاعات داخل مؤسساتها، واحترام قواعدها، والاحتكام إلى هيئاتها المختصة، لا بتحويل كل اختلاف إلى معركة إعلامية مفتوحة.

كما تطرح هذه الواقعة سؤالاً أعمق: هل تصبح المؤسسات شرعية فقط عندما تنتج النتائج التي نرغب فيها؟ أم أن الديمقراطية الداخلية تقتضي احترام قواعدها حتى عندما لا تأتي بالمخرجات التي توافق تطلعاتنا؟ إن تحويل الحزب إلى خصم، ومؤسساته إلى متهم، وكل قرار مخالف للتوقعات إلى مؤامرة، ينسف في العمق فكرة التنظيم الديمقراطي، ويؤسس لمنطق يجعل الأشخاص فوق القواعد، والإرادات الفردية فوق المؤسسات.

إن اليسار، إذا أراد أن يظل وفياً لقيمه، مطالب بأن يدافع عن مناضليه ضد أي استهداف سياسي محتمل، لكنه مطالب، بالقدر نفسه، بألا يجعل من ذلك ذريعة لإلغاء المسؤولية الفردية أو لتعليق الأخطاء على شماعة التنظيم. فالنقد الحقيقي يبدأ بالنقد الذاتي، وقوة التنظيم لا تُقاس بقدرته على تبرير أخطاء أفراده، بل بقدرته على إخضاع الجميع، دون استثناء، لسلطة القانون، ولمبدأ المساواة، ولحكم المؤسسات.

وفي النهاية، قد يختلف المتابعون في تقييم قرار المكتب السياسي، وقد تتباين القراءات بشأن تدبير هذه الأزمة، لكن ما لا يمكن إنكاره هو أنها أعادت إلى الواجهة سؤالاً ظل يرافق الحياة الحزبية المغربية منذ سنوات: هل تستطيع الأحزاب ترسيخ ثقافة الاحتكام إلى المؤسسات، أم ستظل الشخصنة أقوى من التنظيم كلما تعارضت المصالح وتقاطعت الطموحات؟

إن أزمة دائرة المحيط ليست مجرد محطة انتخابية عابرة، بل درس سياسي بليغ يؤكد أن التنظيمات لا تُبنى بالولاءات للأشخاص، وإنما باحترام القواعد، وأن الديمقراطية الداخلية لا تُختبر عندما نتفق، بل عندما نختلف، وأن قوة أي حزب ليست في غياب الأزمات، بل في قدرته على إدارتها بعقل المؤسسة لا بانفعال الأفراد.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.