كلاش بريس / عبد الله عياش
لم يعد عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، يتردد في تحويل مقره الحزبي ولقاءاته التنظيمية إلى منصات لتصفية الحسابات وإطلاق سهام التوبيخ ضد رفاق الأمس، مُثبتاً المرة تلو الأخرى أنه لا يحتمل أي صوت مخالف أو رأي لا ينسجم مع مزاجه الشخصي، حتى وإن صدر عن القادة الذين رافقوه في مسار التأسيس والتدبير.
ففي اللقاء الحزبي الأخير بإقليم النواصر، وجه بنكيران انتقادات مباشرة وبلسان حاد لسعد الدين العثماني، رئيس الحكومة السابق والقيادي البارز في الحزب، داعياً إياه بلهجة استعلائية إلى الابتعاد عن المشهد التنظيمي وعدم القيام بما اعتبره “تشويشاً على إخوانه”. ولم يتوقف بنكيران عند هذا الحد، بل واصل إملاءاته بالقول: “وأنا أقول لسعد الدين العثماني: الزم بيتك.. قدر الله عليك ما قدر، الزم بيتك وشد تيقارك”، متجاوزاً المكانة السياسية والاعتبارية للعثماني حين دعاه للعودة إلى مجاله السيكولوجي والعلمي السابق بقوله: “واشتغل بالشؤون العلمية اللي كنتي كتشتغل بيها من قبل”.
هذا الهجوم المجاني على العثماني ليس واقعة معزولة، بل يسير وفق عقيدة منهجية لإسكات أي صوت ينادي بالمراجعة أو التنوع. فالسيناريو نفسه تكرر قبل أيام عقب هجومه الكاسح على عبد العزيز أفتاتي لمجرد تدوينة على “فيسبوك”، وقبلها خرجاته التوبيخية ضد أحمد الريسوني، الرئيس الأسبق لحركة التوحيد والإصلاح، حين انتقد الأخير وزارة الأوقاف؛ ليتبنى بنكيران دور الوصي الذي يُسارع إلى التقليل من مواقف الآخرين ومصادرة حرية تعبيرهم.
وتتسع قائمة “المغضوب عليهم” لتشمل مصطفى الرميد الذي خرج عن صمته ليرد بقوة على ادعاءات بنكيران باحتكار إنجازات مرحلة 2011 حين تباهى الأخير بقوله: “أنا بوحدي اللي درت الحملة وكاين اللي مشا الحج”؛ وهو السلوك الذي فضح خروج الأمين العام عن “أدب الاختلاف” وتسفيه جهود قيادات وازنة كعزيز الرباح ومحمد أمكراز ولحسن الداودي.
تظهر المفارقة الصارخة لدى رجل طالما قدم نفسه ضامناً للاستقرار ومرجعاً للأخلاق السياسية، بينما لا يتردد لسانه في خلق الشبهات والفرقعات الإعلامية بخرجات من قبيل “حمونا من إسرائيل ولا مابقات بيعة”. إن السلوك السياسي الراهن لبنكيران يؤكد أنه لا يرى في حزب العدالة والتنمية سوى منصة شخصية صُممت على مقاسه الخاص؛ يُصادر فيها النقاش الداخلي، ويريدها ساحة لـ”الزعيم الأوحد” الذي يقتات على إضعاف رفاقه وتصفية إرثهم، سعياً وراء البقاء في دائرة “الطوندونس” السياسي ولو كان الثمن إطفاء كل الشموع المضيئة من حوله.













