منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تتوقع نمواً بنسبة 5% في 2026 بفضل موسم فلاحي جيد، لكنها تحذر من تداعيات ارتفاع أسعار الطاقة
في وقت يزال فيه الاقتصاد العالمي “تحت الضغط” بفعل النزاع في منطقة الشرق الأوسط، تظل آفاق
النمو بالنسبة للمغرب نسبياً إيجابية، حسب أحدث تقرير لآفاق الاقتصاد الصادر عن منظمة التعاون و التنمية الاقتصادية (OCDE) لهذا الشهر. تشير توقعات المنظمة إلى أن معدل نمو الناتج المحلي
الإجمالي سيفوق 5% في عام 2026، قبل أن ينخفض إلى 3.9% في عام 2027.
ويعزى هذا الأداء المُنتظر، إلى حد كبير، إلى “مؤشرات ايجابية تخص القطاع الفلاحي فالأمطار الغزيرة التي سُجلت في فصل الشتاء من شأنها أن تعزز الإنتاج الزراعي، الذي يعد عنصراً
أساسياً في الاقتصاد الوطني. كما يوضح التقرير أن “الاستثمار العام في مشروعات البنية التحتية الكبرى سيستمر في دعم النمو.ومع ذلك، فإن هذه الديناميكية الإيجابية مهددة بسبب الاعتماد الكبير للمملكة على
الطاقة، إذ يستورد المغرب نحو 90% من احتياجاته الطاقية، مما يجعله “عرضة” لصدمات الأسعار،
مثل تلك التي قد تنجم عن إغلاق مضيق هرمز. هذا الوضع له تأثيرات مباشرة على الاقتصاد
التضخم والعجز: مؤشرات تحت الضغط
من المتوقع أن تؤدي صدمة أسعار الطاقة، إضافةالى ارتفاع تكاليف المواد الغذائية الناجم عنها، إلى
ظاهرة تضخم مؤقتة. فبعد أن وصلت معدلات التضخم إلى ذروتها عند 6.1% في عام 2022، بدأت في
الانخفاض لتصل إلى 0.7% في عام 2025. كما تتوقع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بارتفاعه مرة أخرى إلى 3.2% في عام 2026 قبل أن يتراجع إلى 1.4% في عام 2027. بالإضافة إلى ذلك، سيتوسع عجز الميزان الجاري ليصل إلى 3.1% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2026، مقارنةً بـ 2.2% في السنة السابقة، “بسبب زيادة أسعار الواردات”.
استمرار السياسة النقدية على حالها
في مواجهة هذا الارتفاع التضخمي، من المرتقب أن يتبنى البنك المركزي المغربي (بنك المغرب) موقفاً انتظارياً. ويشير التقرير إلى أنه “ينبغي على البنك المركزي أن يوقف دورة التيسير النقدي ويُبقي على سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير خلال عامي 2026-2027”. ويبلغ سعر الفائدة الرئيسي حالياً 2.25%.
أما على صعيد المالية العمومية، فيواصل عجز الميزانية تقلصه، منتقلاً من 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي في 2025 إلى 3.0% في 2026-2027. وسيكون هذا التحسن ممكناً بفضل “ارتفاع الإيرادات الناتج عن الإصلاحات الضريبية الأخيرة”، التي توسع الوعاء الضريبي وتعزز تطبيق التشريعات. وقد أعادت الحكومة تفعيل تدابير دعم لقطاع النقل في مواجهة الصدمة الطاقية، لكنها لم تضف، حتى الآن، دعماً مباشراً للأسر.
نقاط ضعف وفرص في زمن الأزمات
يسلط التقرير الضوء على مفارقة بالنسبة للمملكة. فمن جهة، يجعله اعتماده على واردات الغاز والمحروقات عرضة بشكل خاص للتوترات الجيوسياسية الراهنة. ويوضح التقرير أن “استمرار النزاع قد يعطل أيضاً التموين اللازم للإنتاج الوطني للأسمدة بسبب الاعتماد على واردات الأمونياك والكبريت من اقتصادات الخليج”.
ومن جهة أخرى، قد يستفيد المغرب من الوضع على المدى القصير. فبصفته منتجاً كبيراً للفوسفاط والأسمدة الفوسفاتية، قد يستفيد من إعادة توجيه الطلب العالمي، حيث أن حصار مضيق هرمز يمنع منتجين كباراً آخرين في الشرق الأوسط من التصدير. وشكلت صادرات هذا القطاع 21% من عائدات التصدير المغربية في عام 2025. كما يظل القرب الجغرافي من الاتحاد الأوروبي، الذي يستوعب 60% من صادرات المغرب، ميزة كبرى، حتى وإن كان النشاط الاقتصادي لهذا الشريك متأثراً هو الآخر بالأزمة.
نحو نمو مستدام وشامل
بعيداً عن الظرفية، تُصر منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية على ضرورة إجراء إصلاحات هيكلية لدعم “نمو قوي وشامل” في المغرب. وتدعو إلى توسيع الحماية الاجتماعية، ومكافحة الاقتصاد غير المهيكل والفساد، وتعزيز المنافسة في الأسواق. ويشدد التقرير على أن “تقليل اعتماد المغرب على واردات الطاقة لتحسين الأمن الطاقي يظل ضرورياً أيضاً”.
ويشكل التحول البيئي تحدياً كبيراً آخر. ويوصي التقرير بـ “رفع أسعار المياه تدريجياً، وتعزيز السياسات المناخية، وتقليل الاعتماد على واردات الطاقة” لتحسين الصمود في وجه الصدمات المناخية وتعزيز الأمن الطاقي.
يجتاز المغرب فترة الاضطرابات العالمية هذه بفضل أسس اقتصادية كلية متينة، لكن ضعف قطاع الطاقة يبقى عقبته الأساسية. وستكون الأشهر المقبلة حاسمة لمعرفة ما إذا كان المغرب سينجح في تحويل الظرفية الفلاحية الجيدة إلى نمو مستدام، مع تدبير الضغوط التضخمية وحالات عدم اليقين الدولي.



















