اسبانيا ومحاولة تصدير الأزمة من الداخل إلى المغرب

منذ 23 دقيقة
اسبانيا ومحاولة تصدير الأزمة من الداخل إلى المغرب

بلال التليدي

ليس ثمة أدنى شك أن مدريد تعاني من موجة ضغط شديد يحركها الحزب الشعبي وحزب اليمين المتطرف «فوكس» على خلفية أحداث سبتة المحتلة، فهذان الحزبان المعارضان يجران الحكومة الإسبانية لأزمة مع الرباط، بالضغط للتعجيل بزيارة الملك الإسباني إلى سبتة المحتلة مرة، وبالدعوة لتدخل الجيش لحل مشكلة المهاجرين غير النظاميين مرة ثانية، ثم بمحاولة اتهام الرباط بأنها كانت وراء أحداث سبتة المحتلة مرة ثالثة.

مختلف مسؤولي الحكومة الإسبانية (رئاسة الوزراء والخارجية والعدل)، نفوا صلة الرباط بالأحداث، وأكدوا تعاونها لتسوية المشكلة، فيما نفى رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز وجود حاجة لتدخل الجيش في سبتة، وأكد أن الأداة العسكرية لا يمكن أن تكون مجدية حين يتعلق الأمر بحل مشكلة مهاجرين دفعتهم ظروفهم الاجتماعية المتردية إلى الهجرة ابتغاء لقمة العيش.

الأجهزة الأمنية الإسبانية في بادئ الأمر، نفت أي صلة للاستخبارات المغربية بالأحداث، أو على الأقل، أكدت عدم وجود أي دليل على ذلك، لكن بعض وسائل الإعلام الإسبانية، أياما قليلة ماضية، نشرت استنادا إلى مصادر أمنية إسبانية مقاطع من تقرير أمني يشير بالاتهام إلى جهاز الدرك الملكي، ليأتي النفي مرة أخرى من الحكومة الإسبانية، وأنه لا يوجد دليل يثبت مثل هذه المزاعم

في مقابل هذه اللغة المتوددة للمغرب، أو على الأقل الحريصة على عدم إفساد ذات البين مع الرباط، برزت في الآونة الأخيرة تصريحات من وزارة الخارجية الإسبانية، تثير تساؤلات حول خلفياتها.

مصادر مسؤولة في الخارجية الإسبانية صرحت قبل أسبوعين أن مدريد استدعت السفيرة المغربية بمدريد من أجل مساءلتها حول تصريحات بعض المسؤولين المغاربة بشأن مدينة سبتة، وأن الخارجية المغربية أبلغت مدريد أن تحقيقا داخليا فتح لمعرفة ملابسات أحداث سبتة، ثم كشف وزير الخارجية الإسباني في حديث مع بعض وسائل الإعلام الإسبانية، أنه تحدث إلى نظيره المغربي ناصر بوريطة بشأن تصريحات المسؤولين المغاربة عن مدينة سبتة، وأن جوابه أن هذه التصريحات لا تمثل الموقف الرسمي المغربي، وأنها صدرت في ظرفية انتخابية.

الداخل المغربي انشغل كثيرا بتصريحات مسؤولي الخارجية الإسبانية، حيث تحولت لأوراق احتجاج على الحكومة المغربية، إذ كيف تستدعى سفيرة المغرب في إسبانيا، ويفتح المغرب تحقيقا حول أحداث سبتة، ويعرف الخبر من مدريد بينما الصمت يسود في الداخل، ولا يتم تنوير الرأي العام بمثل هذه المعطيات، بل لقد زادت تصريحات «ألباريس» الطين بلة وزادت الأمر حدة ومفارقة، ففي الوقت الذي كان يظن الداخل، أو هكذا على الأقل ظهر، أن الدولة المغربية تدير التوتر مع مدريد بذكاء، وتصرف موقفها السيادي بعيدا عن وزارة الخارجية ووزارة الداخلية، فيرد موقف يطالب باسترجاع أو تحرير سبتة المحتلة عبر وزير العدل، ثم وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية في كلمة بين يدي الملك، ينقل وزير الخارجية الإسباني «تبرؤ» نظيره المغربي من هذه التصريحات، وأنها لا تمثل الموقف الرسمي للمملكة.

الداخل المغربي، أو جزء من النخب السياسية المعارضة وجدت في هذه المعطيات ذريعة لممارسة الضغط على الحكومة المغربية للكشف عن حقيقة الموقف المغربي سواء من وضع سبتة المحتلة أو من الأحداث التي جرت فيها بتزامن مع عيد العرش، بينما اختارت الخارجية المغربية مرة أخرى أن تدير الموقف في علاقة مباشرة بمدريد بعيدا عن الإعلام وعن ردود فعل الرأي العام.

تفسير اختيار الموقف المغربي للغة الصمت لا يتطلب اجتهادا كبيرا، فاستدعاء الخارجية الإسبانية للسفيرة المغربية، هو قرار يخص الحكومة الإسبانية، وهي المخولة بمقتضى الأعراف الدبلوماسية بالكشف عنه وعن سببه، وليس المغرب، إلا في حالة إذا بلغ التوتر مدى تصعيديا واضطر المغرب إلى الرد بالمثل، فإنه يعلن عن ذلك ويبين سبب ذلك، فيكون الاحتجاج من نفس الدرجة، وهو ما لم يحصل، أي أن الرباط رأت في دواعي استدعاء السفيرة أمرا لا يوجب رد الفعل، فكانت بذلك معفاة من إعلان الخبر، وأن المسؤولية تقع على الإسبان في ذلك، وفي التأخر عن الإعلان عن الخبر.

أما بشأن التحقيق الداخلي، فهو أمر اعتيادي ولا يمثل صيدا إعلاميا ثمينا، فالمغرب طرف في هذه الأحداث، لأن جزءا من المهاجرين غير النظاميين من جنسية مغربية، تحركوا وانتقلوا من التراب المغربي، وحصل تدفقهم عبر البحر من الحدود المتاخمة بين مدينة الفنيدق وسبتة المحتلة، فمن الطبيعي أن تجري الأجهزة الأمنية أكثر من تحقيق داخلي، باعتبار تعددها، وما يفسر ذلك أن وزارة الداخلية، عبر ناطقها الرسمي، تأخرت قليلا عن الإعلان عن روايتها، لأن الأمر يتعلق بانتظار نتائج تحقيقات أمنية ميدانية داخلية. ولذلك، فإن تلقي مدريد من الخارجية المغربية خبرا عن فتح المغرب للتحقيق في الأحداث، لا يمثل شيئا خارج الاعتياد، وإنما هو إجراء اعتيادي، يقوم به المغرب، والظاهر أن الكشف عنه من قبل مدريد بشكل متأخر كانت له وظيفة مزدوجة كما سنبين ذلك.

أما عدم رد الخارجية المغربية عن تصريحات وزير الخارجية الإسباني بشأن الموقف المغربي من مدنية سبتة، فتفسيره واضح، فالمغرب بصمته، يحقق هدفين اثنين، أولهما أنه لا يقدم إثباتا ولا نفيا، حتى لا ينسب ما نقله وزير الخارجية الإسباني لنظيره ناصر بوريطة إلى الموقف الرسمي المغربي، وثانيهما أن عدم الرد يخدم هدف مساعدة حكومة مدريد على امتصاص ضغط اليمين الإسباني بنوعيه وتقوية حكومة مدريد حتى لا تسقط أمام الابتزاز، فتكون ضحية الانتخابات القادمة وهو ما يضر بمصالح المغرب.

ثمة معطى تفسيري تكميلي، فحكومة مدريد، وهي تكشف عن جانب مخفي من طبيعة التواصل الذي كان لها مع الرباط بعد أحداث سبتة المحتلة، إنما كانت تريد تحقيق هدفين اثنين، لا واحد، وهو أن تمحص الابتزاز الذي مارسه اليمين على حكومة بيدرو سانشيز، وفي الآن ذاته، محاولة تصدير الأزمة إلى المغرب، وشغل الرباط بداخلها بوضعها في الحرج، تماما كما وضعت حكومة سانشيز في حرج مقابل مع داخلها بسبب أحداث سبتة.

الرباط تعاملت مع تساؤلات الداخل بالأسلوب ذاته، بالصمت وعدم التجاوب، وهي تدرك أن تطور الموقف في الداخل لن يكون متناسبا ومماثلا مع تطور الموقف في الداخل الإسباني تجاه حكومة سانشيز وكيفية تدبيرها لأزمة أحداث سبتة، الفارق بين الحالتين كبير، ففي المغرب، الملك هو الذي يدير السياسة الخارجية، وهو ليس موضوع انتخاب ولا محاسبة، وتدبير العلاقات الدبلوماسية مع مدريد بما في ذلك طرح قضية سبتة ومليلية للحوار يتم وفق رؤية استراتيجية بعيدة المدى لا تؤثر فيها تغير الحكومات ولا الانتخابات، وإنما يجسم فيها التموقع الاستراتيجي، الذي يبدو أن الرباط تحسنت فيه كثيرا بخلاف مدريد الذي تراجع تموقعها الاستراتيجي الدولي والإقليمي، فإن السياسة الخارجية قد تكون سببا في سقوط حكومة وتغيير مزاج الناخبين.

بلال التليدي للقدس

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.