كلاش بريس / ليلى بهلولي
تشكل الصحافة الواجهة الفكرية والثقافية لأي مجتمع، والحصن الأول والأخير الذي يطرح قضايا المواطنين ويفككها، والناقل الأمين لآلامهم وآمالهم، إذ طالما ارتبط اسم هذه المهنة بالنبل والبحث عن الحقيقة. غير أن المشهد الإعلامي اليوم بالمغرب بات يشهد انحرافًا حادًا عن هذا المسار التاريخي؛ حيث اندفعت منصات ومنابر إلكترونية ومراسلون محسوبون على الميدان نحو السباق والتهافت والابتذال المشؤوم خلف أخبار المشاهير من مغنيين وشيخات وغيرهم، متجاهلين الأسئلة الحارقة للمواطنين والقضايا الاجتماعية الجوهرية للمواطن.
ولعل ما شهده الميدان مؤخرًا من سب وإهانة لمراسلين في موسم “مولاهم عبد الله أمغار” بالجديدة من طرف “ولد الحوات” يقدم دليلًا ساطعًا على عمق التردي؛ إذ كشف هذا التوجه لعدة منابر إلكترونية تتهافت على “البوز” وأخبار الفنانين دون فن، اللثام عن الافتقار تام للحس المهني. فهذا التهافت حول اللقاءات التصويرية التي لا يمكن وصفها بالندوات الصحفية لكونها تفتقر للموضوع والهدف إلى مسارح للتهريج والبهرجة والإهانة، وأسهم مباشرة في جرأة البعض على تبخيس دور الإعلامي وإهانة الجسم الصحفي برمته
وعند سبر أغوار هذه الظاهرة، يتضح أن جذور الأزمة تعود بالأساس إلى اختلال هيكلي داخل عدد ليس بقليل من المؤسسات الإعلامية والمنابر الإلكترونية. فنحن أمام واقع يتصدره مدراء نشر ومؤسسون يفتقرون للحد الأدنى من الكفاءة والتكوين الأكاديمي، بل وحتى للفهم السليم للتوجه الإعلامي، ممن اتخذوا من الصحافة درعًا لقضاء المصالح الشخصية والتملق للمسؤولين ونيل حظوة وصفة اجتماعية. ونتيجة لذلك، أفرزت هذه المنظومة مراسلين ميدانيين بلا تأهيل، يساقون خلف المنطق التجاري ونسب المشاهدة الهامشية “اللايكات”على حساب جودة المحتوى وأخلاقيات المهنة؛ فكيف يكون عمل المراسل الصحفي إذا كان مدير النشر لا يفقه شيئًا في الإعلام؟.
وبناءً على ذلك، أضحت الحاجة ملحة لإعادة قطار الإعلام إلى سكته الصحيحة واستعادة الصورة المعروفة للسلطة الرابعة. فالصحافة الحقيقية ليست مجرد عدسة تتلقف الفضائح وتطارد التفاهة، بل هي جبهة لتسليط الضوء على مآسي المجتمع، وسؤال المنتخبين والمسؤولين، وفتح ملفات الفساد السياسي والاجتماعي والاقتصادي… فالصحافة فن وذوق وإبداع وصناعة حرة قبل أن تكون مجرد مهنة أو صفة، ولن يتأتى هذا التغيير المنشود إلا بغربلة حقيقية للقطاع، وتفعيل الحكامة والصرامة في منح البطائق المهنية، ليبقى هذا الميدان الشريف حصنًا للتنوير وملاذًا لكفاءات تعي حجم المسؤولية الوطنية والإنسانية الملقاة على عاتقها، لا مجال فيه لمن هب ودب.













